عُمان حين يشهد العالم لطيبة شعبٍ وعظمة قيادة .
بقلم: أبوبكر الصغير .
ثمة شعوب لا تحتاج إلى ضجيج كي تعلن و تُعرّف العالم بنفسها ، ولا إلى خطابات طويلة كي تترك أثرها في القلوب ، يكفي أن تذكر اسمها حتى تستحضر معها معاني الطيبة والكرامة والوفاء ، وأن تفتح صفحات تاريخها حتى تكتشف كيف يمكن للأخلاق أن تصنع مجد الأمم ، وللحكمة أن تمنح الدول مكانة تتجاوز حدود الجغرافيا .
وتلك ، هي سلطنة عُمان ، أرض المحبة و الطمأنينة، وشعب المروءة ، سلطنة اختارت أن تجعل من الاعتدال نهجا ، ومن السلام رسالة ، ومن احترام الإنسان عنوانا لهويتها .
في زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى المملكة المتحدة ، لم يكن المشهد الأشد تأثيراً في مأدبة العشاء الرسمية التي أقامها الملك تشارلز الثالث في قلعة ويندسور مجرد مراسم ملكية فخمة ، ولا لقاء دبلوماسيا بين دولتين تربطهما علاقات تاريخية عريقة ، بل كانت لحظة إنسانية نادرة ، اختصرت في كلمات قليلة حكاية شعب بأكمله ، وأعادت إلى الواجهة قيمة الأخلاق حين تصبح جسرا بين الثقافات والأديان والشعوب .
لقد تناقل العالم مقطع الفيديو الذي ظهر فيه الملك تشارلز الثالث وهو يستشهد بحديث منسوب إلى النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، في وصف أهل عُمان: ” لو أنَّ أهلَ عُمانَ أَتَيْتَ ما سَبُّوكَ ولا ضَرَبُوكَ ” . ولم تكن هذه الكلمات مجرد استشهاد عابر في خطاب رسمي ، بل بدت وكأنها شهادة تقدير تتجاوز حدود البروتوكول ، لتلامس وجدان العمانيين ، وتذكّر العالم بأن بعض الفضائل لا تشيخ ، وأن السمعة الطيبة التي يصنعها الناس بأخلاقهم قد تبقى أعمق أثرا من كل مظاهر القوة والنفوذ .
أي جمال في أن يستحضر ملك بريطانيا ، أمام ضيوفه وفي قلب واحدة من أعرق القلاع الملكية في العالم، قولا نبويا يثني على أخلاق شعب عربي مسلم شقيق ! وأي اعتزاز يمكن أن يشعر به المواطن العماني وهو يرى صورة بلاده حاضرة في هذا المقام الرفيع ، لا بوصفها دولة ذات تاريخ ومصالح فحسب ، بل بوصفها وطناً ارتبط اسمه في الذاكرة بمعاني الرفق وحسن المعاملة وكرم الضيافة ؟.
إنها لحظة تستحق أن يتوقف عندها كل عربي ، لا من باب المجاملة أو المبالغة ، بل لأن العالم ، الذي تتنازعه الخصومات وتثقل كاهله الحروب والكراهية ، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة قيمة الإنسان ، وإلى نماذج تثبت أن الاحترام ليس ضعفا ، وأن التسامح ليس تنازلا ، وأن الهدوء لا يعني غياب القوة ، بل قد يكون أرفع درجات الحكمة .
أهل سلطنة عُمان، في صورتهم التي يعرفها زوار السلطنة ومن يتعاملون مع أبنائها، يجسدون معنى أن تكون الطيبة جزءا من الشخصية الوطنية ، وأن يكون الترحيب بالآخر تعبيراً عن الثقة بالنفس لا عن طلب رضاه . ففي عُمان، تتجاور أصالة التاريخ مع انفتاح الحاضر ، ويجد الزائر في كرم الاستقبال وهدوء التعامل وصدق المشاعر ما يجعل العلاقة بالبلاد تتجاوز حدود الزيارة العابرة إلى ذكرى إنسانية دافئة .
ولعل أجمل ما في هذه الشهادة أنها لم تأتِ من داخل عُمان وحدها ، ولم تكن كلمات يرددها العمانيون اعتزازا بأنفسهم ، بل جاءت على لسان ملك في مناسبة دولية رسمية ، بما يمنحها دلالة خاصة .
فحين يثني الآخر على أخلاقك ، تصبح الشهادة أكثر من مديح ، تصبح مرآة لما تركته من أثر في النفوس ، ودليلا على أن القيم الأصيلة قادرة على عبور المسافات واختراق الحواجز .
غير أن عظمة سلطنة عُمان لا تختصرها طيبة شعبها وحدها ، على أهميتها ، بل تتكامل مع قيادة أدركت أن مكانة الدول لا تُبنى بالصوت المرتفع ، وأن النفوذ الحقيقي لا يُقاس دائماً بما تمتلكه الدولة من أدوات القوة، بل أيضا بما تحظى به من ثقة ، وما تستطيع أن تفتحه من أبواب للحوار حين تُغلق الأبواب ، وما تبذله من جهد لتقريب المواقف عندما تتسع المسافات بين الخصوم .
وهنا تبرز حكمة السلطان هيثم بن طارق، الذي يواصل مسيرة دولة تحرص على صون هويتها ، وتحديث مؤسساتها ، والاستثمار في مستقبل أبنائها ، مع التمسك بنهج الحوار والتواصل مع مختلف الأطراف .
وقد عكست كلمات الملك تشارلز في ويندسور تقديرا لدور عُمان في الوساطة وتقريب وجهات النظر ، ولما وصفه بنهجها الدبلوماسي المتوازن ، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى أصوات عقلانية تفتح نوافذ الأمل أمام السلام والاستقرار .
فليست الحكمة أن تختار الصمت أمام كل أزمة ، ولا أن تقف على مسافة واحدة من الحقيقة والباطل ، إنما الحكمة أن تعرف كيف تحمي مصالح وطنك، وتحافظ على استقلال قرارك، وتدافع عن الاستقرار، وتترك للحوار فرصة حين يكون قادراً على تجنيب الشعوب ويلات الصراع .
وهذا ما يمنح التجربة العُمانية أهميتها في محيط إقليمي ودولي كثيرا ما تختلط فيه الحسابات السياسية بالأزمات الإنسانية .
ومن هنا، فإن زيارة السلطان إلى لندن ليست مجرد محطة في سجل العلاقات العُمانية البريطانية ، الممتدة عبر قرون، بل مناسبة لاستحضار نموذج من العلاقات الدولية التي تتغذى من الثقة والاحترام المتبادل ، وتنتقل من جيل إلى جيل . وهي أيضاً رسالة مفادها أن قوة الصداقة بين الدول لا تُصنع في يوم واحد، وإنما تُبنى بالتراكم، وبالوفاء للعهود، وبالقدرة على العمل المشترك رغم اختلاف الظروف والمصالح .

