38°C تونس
09/09/2026
11 سبتمبر .. ربع قرن من النار التي خرجت من الرماد .
أراء وأفكار

11 سبتمبر .. ربع قرن من النار التي خرجت من الرماد .

سبتمبر 9, 2026

بقلم – ابوبكر الصغير .

بعد ربع قرن ، لم يعد 11 سبتمبر مجرد تاريخ في روزنامة الإرهاب العالمي ، ولا مجرد صور لطائرات تصطدم ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك .
لقد أصبح ذلك اليوم الرهيب ، نقطة فاصلة بين عالمين : عالم ما قبل 11 سبتمبر، وعالم آخر وُلد من تحت ركام الأبراج لمركز التجارة العالمي ، ومايزال يعيش حتى اليوم على وقع الحروب والشكوك والدماء .
في 11 سبتمبر 2001 ، ارتكب تنظيم ” القاعدة ” الأرهابي ، واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث ، حين اختطفت أربع طائرات مدنية وقتلت قرابة ثلاثة آلاف إنسان في الولايات المتحدة .
كانت الجريمة إرهابية بكل معنى الكلمة و كاملة المواصفات ، ولم تكن بأي شكل من الأشكال تعبيرا عن الإسلام أو المسلمين . لكنها ، ويا للمفارقة ، كانت بداية مرحلة دفعت العالم العربي والإسلامي ثمنا باهظا لها.
فبعد الصدمة الأولى ، بدأت الحرب على الإرهاب . سقطت أفغانستان في أتون حرب طويلة ، ثم جاء غزو العراق سنة 2003 ، لتدخل المنطقة العربية في واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا منذ عقود .
ولم يكن غزو العراق مجرد حرب لإسقاط نظام، بل كان زلزالا سياسيا وأمنيا فتح أبوابا واسعة للفوضى والانقسام والتطرف ، وأسهمت تداعياته لاحقا في صعود تنظيم ” داعش ” الارهابي ، الذي كان أكثر وحشية واتساعا من تنظيم ” القاعدة ” في بعض مراحل تطوره.
ومن العراق إلى سوريا ، ومن ليبيا إلى اليمن ، ومن الصومال إلى منطقة الساحل ، اتسعت دوائر الاضطراب ، وتداخل الإرهاب مع الحروب الأهلية والانهيار المؤسسي والصراعات الإقليمية.
لم تعد الجماعات المتطرفة بحاجة إلى مركز واحد أو قيادة واحدة ، فقد تعلمت كيف تتكاثر ، وكيف تنتقل من بلد إلى آخر ، وكيف تستغل الفراغ الأمني والفقر والانقسام السياسي لتجنيد أجيال جديدة .
وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات 11 سبتمبر .
اراد تنظيم ” القاعدة ” ضرب الغرب وإشعال مواجهة كبرى ، لكنه ترك وراءه شيئا أكبر من حجمه : عالمًا أكثر خوفا ، ومنطقة عربية أكثر اضطرابا ، ومجتمعات دفعت أجيالها ثمن صراعات لم تبدأها .
لقد تحولت المنطقة إلى ساحات مفتوحة للصراع ، وتراجعت الدولة في أماكن ، وانتشرت الميليشيات في أماكن أخرى ، ووجد الإرهاب بيئات خصبة للنمو .
ومع كل دولة تنهار ، وكل مؤسسة تضعف، وكل مجتمع ينقسم ، كانت التنظيمات المتطرفة تجد نافذة جديدة للعودة .
لكن مسؤولية قراءة ربع قرن لا تقع على الإرهاب وحده .
فالإرهاب المدان ، ارتكب الجريمة، لكن بعض الردود على الجريمة أنتجت كوارث أخرى. والحرب التي بدأت تحت عنوان مكافحة الإرهاب تحولت في بعض مراحلها إلى حروب طويلة، وأسهمت سياسات القوة والانقسامات الطائفية والتدخلات الخارجية في تعقيد المشهد العربي بدلاً من إغلاق أبواب الفوضى .
وهذا لا يعني، بأي حال، تبرير الإرهاب أو مساواته بغيره . فالجريمة تبقى جريمة ، والقتل العشوائي للمدنيين الأبرياء لا يمكن أن يصبح مشروعا سياسيا أو دينيا تحت أي شعار.
لكن الدرس الأهم من 11 سبتمبر هو أن الإرهاب لا يُهزم بالقوة العسكرية وحدها.
يمكن قتل قادة التنظيمات ، وتدمير معسكراتها ، وتفكيك شبكاتها ، وقد حدث الكثير من ذلك بالفعل في هذا الاتجاه . لكن الأفكار المتطرفة تستطيع أن تعود عندما تجد دولة ضعيفة ، منهارة ، وشابا يائسا ، ومجتمعا ممزقا ، ومنصة رقمية مفتوحة أمام خطاب الكراهية .
بعد ربع قرن ، لم تعد ” القاعدة ” هي التنظيم الوحيد الذي يحمل لواء الإرهاب الجهادي .
فقد ظهرت فروع وتنظيمات منشقة وتنظيمات منافسة ، وأصبح التطرف أكثر انتشارا وأقل ارتباطا بمركز جغرافي واحد . وتشير تحليلات حديثة إلى أن فروعا للقاعدة لا تزال ناشطة في مناطق من أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، رغم تراجع قوة التنظيم المركزي الذي نفذ هجمات 11 سبتمبر.
لقد تغيّر شكل الإرهاب، لكن خطره لم ينته .
انتقل جزء منه من الجبال والمعسكرات إلى الهواتف والشاشات . ومن الخلايا المنظمة إلى الذئاب المنفردة . ومن الخطب السرية إلى خوارزميات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي . بل إن تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت تفتح أمام التطرف أدوات جديدة للتجنيد والدعاية والتأثير .
ولهذا فإن إحياء ذكرى 11 سبتمبر بعد ربع قرن لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة للصور المؤلمة .
ينبغي أن يكون وقفة أمام سؤال أكبر : كيف سمح العالم لجريمة ارتكبتها مجموعة إرهابية أن تتحول إلى حقبة كاملة من الحروب؟.
وكيف تحولت منطقتنا العربية ، التي كانت ضحية للإرهاب في كثير من الأحيان، إلى المسرح الأكبر لتداعياته؟.
وكيف يمكن منع التاريخ من إعادة إنتاج نفسه ؟.
لقد قُتل أسامة بن لادن ، وتراجعت ” القاعدة ” عن حجمها الذي كانت عليه، وخسر تنظيم ” داعش ” معظم الأراضي التي سيطر عليها، لكن آثار تلك الحقبة لم تختفِ . فما تزال المنطقة تحمل جراح العراق وسوريا واليمن وليبيا، وماتزال أجيال كاملة تحمل في ذاكرتها صور النزوح والقتل والدمار والانقسام .
ربع قرن مرّ منذ 11 سبتمبر.
ربع قرن من الخوف والحروب ومطاردة الإرهاب .
لكن الحقيقة الأكثر إيلاما هي أن الأبراج سقطت في ساعات ، بينما احتاج العالم ربع قرن ومايزال يحتاج إلى سنوات أخرى لترميم ما تهدم بعدها .
لقد أراد تنظيم ” القاعدة ” الارهابي أن يصنع نصراً من خلال الموت .
لكن النصر الحقيقي لا يكون بتدمير المدن ولا بقتل الأبرياء ولا بإشعال الحروب .
والدرس الذي يجب أن يبقى بعد 25 عاما هو أن الإرهاب لا ينتصر عندما يقتل فقط ، وإنما ينتصر أيضاً عندما يدفع العالم إلى التخلي عن العقل ، وعندما تتحول مكافحة الإرهاب إلى فوضى جديدة، وعندما يصبح الخراب بيئة لإنتاج إرهاب آخر .
في 11 سبتمبر 2001 سقطت أبراج .
لكن السؤال بعد ربع قرن ليس فقط : من هدمها؟
السؤال الأهم : ماذا فعل العالم بعد سقوطها ؟.
وهل تعلمنا أخيرا أن محاربة الإرهاب تبدأ من تجفيف منابع الكراهية والفوضى والانهيار ، لا من مطاردة أشباحه مباشرة بعد أن تولد .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *