38°C تونس
10/09/2026
هرمز .. حين يفقد المضيق الاستراتيجي سلاحه الأخطر .
الافتتاحية

هرمز .. حين يفقد المضيق الاستراتيجي سلاحه الأخطر .

سبتمبر 9, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

خلال ستة أشهر فقط ، أعادت الحرب في الخليج رسم واحدة من أكثر المعادلات رسوخا في الاقتصاد العالمي ، بعدما دفعت مضيق هرمز ، تدريجيا ، إلى فقدان جزء من أهميته بوصفه معبرًا لا يمكن الاستغناء عنه.
لعقود طويلة ، كان مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم .
وكانت تمر عبره قبل الحرب ما بين 20 و25 بالمائة من تجارة النفط العالمية ، إلى جانب نسبة مماثلة تقريبًا من صادرات الغاز الطبيعي المسال ، فضلا عن منتجات صناعية وبتروكيماوية أساسية .
أما اليوم ، فقد أصبح المشهد مختلفا جذريا. تراجعت حركة الملاحة إلى مستويات غير مسبوقة ، وبات المضيق ، الذي كان من أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم ، يبدو شبه خال . ومع ذلك ، لا تزال بعض ناقلات النفط تتمكن من العبور ليلا ، في ظروف شديدة السرية ، بعد تعطيل أجهزة الإرسال الخاصة بها .
لكن الخطر الأكبر على طهران لا يكمن في تراجع حركة الملاحة وحده ، بل في حقيقة أكثر عمقًا : العالم بدأ يتعلم كيف يعيش من دون مضيق هرمز .
فدول الخليج سارعت إلى البحث عن طرق بديلة لتصدير النفط ، ولم تكن إيران نفسها بعيدة عن هذا المسار. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، يجري العمل على تعزيز قدرات نقل النفط عبر مسارات تتجاوز نقطة الاختناق البحرية، بما يقلص تدريجيًا حجم الصادرات المعرضة للخطر .
ووفق مذكرة لبنك غولدمان ساكس صدرت في منتصف يوليو ، يُتوقع أن يكون نحو نصف حجم النفط الذي كانت دول الخليج تصدره قبل الحرب محميا من اضطرابات مضيق هرمز بحلول نهاية عام 2027 .
وهنا تحديدا تبدأ قيمة الورقة الإيرانية في التراجع .
فالقوة التي يمنحها الموقع الجغرافي لأي دولة لا تأتي من امتلاكها نقطة اختناق فحسب ، وإنما من قدرة الآخرين على عدم الاستغناء عنها .
وحين تظهر البدائل ، يبدأ السلاح الجغرافي بفقدان جزء من فعاليته السياسية .
صحيح أن صادرات الغاز الطبيعي المسال لا تزال شديدة الارتباط بالممر البحري ، لكن هذا الاعتماد يتراجع بدوره ، خصوصًا في أوروبا . ويشير معهد بروغل إلى أن استهلاك الغاز الطبيعي المسال في الاتحاد الأوروبي انخفض بنحو 17 بالمائة مقارنة بمستويات 2021-2022 ، مدفوعًا بالتوسع في الطاقات المتجددة وتغير أنماط استهلاك الطاقة .
حتى إيران بدأت في البحث عن مسارات بديلة ، عبر توسيع تجارتها من خلال بحر قزوين ، الذي تطل عليه روسيا وكازاخستان وتركمانستان وأذربيجان ، في محاولة لإعادة رسم طرق تجارتها بعيدا عن المضيق الذي كان لعقود بوابة رئيسية لصادراتها .
وفي المقابل ، لم ينتظر الاقتصاد العالمي طويلًا حتى يبدأ في امتصاص الصدمة .
فالدول الآسيوية ، وفي مقدمتها الصين ، اتجهت إلى الولايات المتحدة لتأمين جزء من احتياجاتها من المحروقات ، بعدما كانت تعتمد بدرجة كبيرة على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج .
كما لجأ المجتمع الدولي إلى الاحتياطيات الاستراتيجية لاحتواء تداعيات الأزمة .
ففي منتصف مارس، قررت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية الإفراج عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية ، في أكبر عملية من نوعها في تاريخ الوكالة ، بما وفر للأسواق هامشا إضافيا للمناورة وخفف من قدرة اضطرابات هرمز على إحداث صدمة طويلة الأمد .
وهنا يطرح التحول الجديد سؤالا جوهريا :
ماذا يبقى من سلاح هرمز إذا أصبح العالم قادرًا على الالتفاف حوله ؟ .
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قال في الأول من سبتمبر إن المضيق قد لا يعد ، خلال عامين ، أكثر من ” مسطح مائي بلا قيمة ” . وقد تكون العبارة قاسية ومبالغا فيها، فهرمز سيظل بلا شك ممرًا استراتيجيًا بحكم موقعه الجغرافي .
لكن جوهر الفكرة يعكس تحولًا بالغ الأهمية : قد يبقى هرمز مضيقا استراتيجيا على الخريطة ، لكنه لم يعد بالضرورة مضيقًا لا غنى عنه .
وهذه الخسارة لا تتعلق بالجغرافيا وحدها، بل بالقوة السياسية التي منحتها الجغرافيا لطهران .
فالنظام الإيراني يفقد تدريجيا واحدة من أهم أدوات الضغط التي كان يستطيع استخدامها ضد خصومه ، وكلما تراجعت قدرته على تعطيل تدفقات الطاقة ، تراجعت معها قدرته على الإزعاج والمساومة وفرض شروطه على طاولة التفاوض .
ويكشف سوق النفط جزءًا من هذا التحول . فقد تراجع سعر خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 90 دولارًا للبرميل ، أي قرابة 77 يورو، وهو مستوى لا يزال أعلى من نحو 70 دولارًا قبل الحرب ، لكنه بعيد عن حاجز 110 دولارات الذي بلغه الخام في مطلع أبريل .
والمغزى هنا ليس السعر وحده ، بل سلوك الأسواق .
فالأسواق لم تعد تتعامل مع اضطراب هرمز باعتباره كارثة بلا بديل . لقد بدأت تتعامل معه باعتباره أزمة يمكن احتواؤها ، وصدمة يمكن توزيع آثارها ، ومسارًا يمكن تجاوزه جزئيًا .
وهذه إحدى قواعد الاقتصاد العالمي شديد الترابط : كلما ازدادت نقاط الاختناق الاستراتيجية، ازدادت أيضًا الحوافز لبناء البدائل .
المضائق والموانئ والكابلات البحرية أصبحت شرايين حيوية للاقتصاد العالمي ، لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى نقاط ضعف قابلة للاستهداف .
غير أن القدرة على تعطيل نقطة اختناق لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على تعطيل العالم إلى الأبد .
فالاختناق الاقتصادي يكون سلاحًا بالغ الفاعلية عندما لا توجد بدائل . لكنه يبدأ في فقدان قوته بمجرد ظهور مسارات أخرى.
وهنا تتضح قاعدة أوسع تتجاوز هرمز نفسه .
في 20 أغسطس، أعلن دونالد ترامب ما وصفه بأنه ” أشد عملية اقتصادية ضراوة على الإطلاق ” ، ضمن إجراءات استهدفت شركاء إيران التجاريين بهدف تضييق الخناق على اقتصاد طهران .
لكن تحويل التفوق الاقتصادي وهيمنة الدولار إلى سلاح سياسي يحمل بدوره مفارقة استراتيجية : فالإفراط في استخدام الدولار كسلاح قد يدفع الدول الأخرى إلى البحث عن بدائل ، بما يقلص تدريجيا درجة اعتمادها عليه.
أما الصين ، فتقدم نموذجا مختلفا للقوة الاقتصادية .
فتهديدها بتقييد صادرات المعادن الحيوية لا يقوم فقط على امتلاك ورقة ضغط ، بل على امتلاك موقع مهيمن في بعض سلاسل الإمداد التي يصعب على العالم بناء بدائل سريعة لها.
يمكن للدول إعادة توجيه جزء من تجارة الطاقة بعيدا عن هرمز خلال أشهر . ويمكنها، على المدى الطويل ، تنويع العملات التي تستخدمها في تجارتها .
لكن بناء منظومة متكاملة لاستخراج المعادن الحيوية وتكريرها وتصنيعها يحتاج إلى سنوات طويلة واستثمارات ضخمة .
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في الجغرافيا الاقتصادية الجديدة : ليست كل نقاط الاختناق متساوية .
وليست كل أدوات الضغط قابلة للاستبدال بالسرعة نفسها .
هناك طرق يمكن تجاوزها ، مهما بلغت أهميتها .
وهناك موارد وسلاسل إنتاج يستغرق بناء بدائلها سنوات، وربما عقودًا .
ولهذا، فإن قوة الدولة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بقدرتها على إغلاق باب ، وإنما بقدرتها على امتلاك الباب الذي لا يستطيع الآخرون فتح غيره.
ومضيق هرمز، الذي كان يوما ، واحدا من أهم هذه الأبواب، يواجه اليوم أخطر تحول في تاريخه.
قد يبقى استراتيجيًا على الخريطة، وقد تظل جغرافيته تمنحه وزنًا لا يمكن تجاهله، لكن معادلة القوة تغيرت .
فالسلاح الحقيقي ليس أن تملك مفتاح المضيق ، بل أن تجعل العالم عاجزًا عن الاستغناء عنه .
وإذا نجح العالم في بناء البدائل، فإن هرمز لن يفقد موقعه على الخريطة …
بل سيفقد شيئا أخطر : قدرته على التحكم في العالم .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *