بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
ليست تلك الكلمات التي أطلقها انور قرقاش ، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الامارات العربية المتحدة ،مجرد تغريدة عابرة على منصة “ إكس”، بل هي بيان مكثّف يُلخّص لحظة إقليمية مشحونة ، تُعاد فيها كتابة موازين القوة تحت ضغط النار وتداعياتها .
في ظل هجمات إيرانية متواصلة على دول الخليج ، و في سياق حرب أوسع تتقاطع فيها حسابات الولايات المتحدة و إسرائيل ، تأتي هذه التصريحات لتأخذنا من سطح الحدث إلى عمق التحوّل : حيث يتشكّل وعي استراتيجي خليجي جديد .
فالحديث عن “ عدوان إيراني غاشم ” لا يقف عند حدود الوصف ، بل يكشف إدراكا متناميا بأن ما يجري لم يعد حادثة عسكرية عابرة ، بل اختبارا مفتوحا لقدرة الخليج على الصمود … وعلى إعادة تعريف أمنه .
هنا، يتحوّل الأمن من مفهوم نظري إلى معادلة وجود ، تتقاطع فيها السيادة مع الكرامة ،و يتماهى فيها الردع مع البقاء .
لغة الصواريخ والمسيّرات ، التي أشار إليها قرقاش ، ليست مجرد أدوات حرب ، بل رسائل ضغط تُراد لها إعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة .
غير أن المفارقة تكمن في أن هذه الرسائل ، بدل أن تُنتج الخوف ، أيقظت وعيا خليجيا أكثر صلابة ، وأكثر ميلا إلى المبادرة .
فالمضائق التي أُريد لها أن تكون أوراق ابتزاز ، تحوّلت إلى خطوط دفاع عن سيادة لا تُساوَم .
وفي قلب هذا التحوّل ، يطفو سؤال مؤلم : ماذا تبقّى من فكرة الأمن العربي المشترك ؟
حين يتحدّث الخطاب الخليجي عن “ خصوصية أمنه ” واستقلاليته ، فهو لا يعلن انفصالا بقدر ما يكشف عن وعي استراتيجي متقدّم ، يدرك أن قوة الدفاع الذاتي ، رغم نجاعتها ، لا تغني عن الحاجة الى منظومة أمن عربي مشتركة،أكثر تماسكا وقدرة على مواحهة التحديات العابرة للحدود.
هنا، لم يعد التحوّل خيارا، بل ضرورة فرضها واقع لا ينتظر .
ومع ذلك، فإن المفارقة الأعمق أن التصعيد الذي راهنت عليه ايران لتكريس نفوذها ، قد يتحوّل إلى عبء عليها .
فبدل فرض معادلات ردع جديدة ، دفع خصومها نحو مزيد من التماسك ، وتسريع بناء تحالفات أكثر صلابة ، والتفكير ، كما ألمح قرقاش ، فيما بعد النار : في أمن مستدام ، لا تُهدّده الصواريخ ولا تُربكه الحسابات الخاطئة .
إنها لحظة ثقيلة ، لكنها كاشفة .
لحظة تُسقط الأقنعة ، وتعيد ترتيب الأولويات ، وتضع المنطقة أمام مفترق حاسم : إما الاستسلام لمنطق التهديد المفتوح ، أو الشروع في بناء معادلة ردع تُحصّن الحاضر وتؤمّن المستقبل .
في هذا السياق ، لا تبدو تصريحات أنور قرقاش تعليقا على حدث ، بل إعلانا عن بداية مرحلة جديدة ، مرحلة يُعاد فيها تعريف الأمن ، لا كاستجابة للخطر ، بل كقدرة على منعه قبل أن يولد .
مرحلة عنوانها أن الخليج ، الذي خبر النار ، لن يقبل بعد اليوم أن يعيش في ظلّها .



