قمة الإعلام العربي .. حين تصبح دبي منصة لصناعة المستقبل .
بقلم – ابوبكر الصغير .
في دبي ، لا تأتي القمم لتناقش الحاضر فحسب ، بل لتستشرف المستقبل و ما بعده. وفي مدينة اعتادت أن تحوّل الطموح إلى واقع، وتحوّل الأفكار إلى مشاريع، انطلقت قمة الإعلام العربي في دورتها الرابعة والعشرين لأن تكون موعدًا جديدًا يلتقي فيه الإعلام العربي والعالمي حول سؤال بالغ الأهمية : كيف نصنع إعلامًا قادرًا على أن يكون شريكًا في صناعة المستقبل ، لا مجرد شاهد عليه؟ .
برعاية صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، و حضور سموه حفل الافتتاح الرسمي ، وتوجيهات الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي، رئيس مجلس دبي للإعلام و حضور الرئيس السوري احمد الشرع و مئات الشخصيات الدولية ، بدات في دبي أعمال القمة في دورة هي الأكبر على الإطلاق، وتستمر حتى 17 سبتمبر في مركز دبي التجاري العالمي.
ولعل أجمل ما في هذا الحدث أنه لا ينظر إلى الإعلام بوصفه صناعة منفصلة عن العالم ، بل باعتباره مرآة للتحولات الكبرى ومحركًا من محركاتها .
فالعالم اليوم يعيش مرحلة استثنائية ، تتبدل فيها موازين القوى ، وتتسارع التحولات الاقتصادية ، وتتقدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة ، فيما تتغير عادات الجمهور وطرق إنتاج المعرفة وتلقيها .
وفي قلب هذه التحولات، يأتي الإعلام أمام اختبار تاريخي : هل يكتفي بملاحقة الأحداث، أم يمتلك القدرة على فهمها وتفسيرها والتأثير الإيجابي في مساراتها ؟ .
من هنا تكتسب قمة الإعلام العربي أهميتها .
إنها ليست مجرد ملتقى للصحفيين والإعلاميين وصنّاع القرار والخبراء، بل مساحة واسعة لإعادة التفكير في مستقبل الإعلام العربي ، وفي الأدوات التي يحتاج إليها ليكون أكثر حضورا وتأثيرا وتنافسية في المشهد الدولي .
وتكتسب القمة قيمة إضافية من اتساع المشاركة الإماراتية والعربية والعالمية ، ومن حضور الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، كمتحدثة رئيسية، بما يعكس مكانة الثقافة والإبداع والفكر في بناء منظومة إعلامية حديثة لا تنفصل عن هوية المجتمع ولا تنغلق عن العالم .
لقد أدركت دبي ، منذ وقت مبكر ، أن قوة المدن لا تُقاس فقط بما تشيده من أبراج ومشروعات ، وإنما بما تنتجه من أفكار ، وما تخلقه من مساحات للحوار ، وما تفتحه من أبواب أمام الطاقات والمواهب .
وهذا تحديدًا ما يجعل احتضان دبي لقمة الإعلام العربي أمرًا يتجاوز الجغرافيا إلى الدلالة .
فدبي اليوم تمثل نموذجًا لمدينة عربية استطاعت أن تجعل من الانفتاح على العالم مصدر قوة ، ومن التكنولوجيا أداة للتقدم ، ومن الاستثمار في الإنسان ركيزة للمستقبل . ولذلك تبدو القمة ، وهي تنعقد في رحابها ، وكأنها امتداد طبيعي لفلسفة دبي في صناعة المستقبل : أن تكون جاهزا للغد قبل أن يصل الغد .
واللافت في هذه الدورة هو تعدد المنتديات المتخصصة ، التي تمنح القمة قدرة أكبر على الاقتراب من التفاصيل الدقيقة للتحولات الإعلامية. فالإعلام لم يعد غرفة أخبار وشاشة وصحيفة فقط ، لقد أصبح منظومة متشابكة من المنصات الرقمية ، والبيانات ، والذكاء الاصطناعي ، وصناعة المحتوى ، والتأثير الاجتماعي ، والاقتصاد الإبداعي .
وفي هذا السياق ، فإن الحديث عن ” إعلام عربي قوي ومنافس ” لم يعد ترفا فكريا، بل ضرورة استراتيجية .
الإعلام العربي يمتلك تاريخا طويلا، وجمهورًا واسعًا ، وطاقات بشرية وإبداعية هائلة ، ولديه كذلك خصوصية ثقافية وحضارية يمكن أن تكون مصدر تميز حقيقي .
لكن المنافسة العالمية لا تنتظر أحدًا ، والتطور التقني لا يمنح وقتًا طويلًا لمن يتردد.
لذلك، فإن بناء إعلام عربي للمستقبل يحتاج إلى الجمع بين أمرين قد يبدوان متناقضين ، لكنهما في الحقيقة متكاملان : الانفتاح على العالم ، والتمسك بالهوية .
أن نستفيد من أفضل التجارب العالمية دون أن نفقد صوتنا .
أن نستخدم أحدث التقنيات دون أن نتخلى عن المسؤولية المهنية .
أن نواكب الذكاء الاصطناعي دون أن ننسى أن الثقة الإنسانية هي رأس مال الإعلام الحقيقي .
وأن نصنع محتوى قادرًا على المنافسة عالميًا، من دون أن يفقد جذوره العربية وقيمه الأصيلة .
وهنا تحديدا يمكن أن تكون قمة الإعلام العربي أكثر من منصة للحوار ، يمكن أن تكون مختبرًا للأفكار، وجسرًا بين التجارب، ونقطة انطلاق لشراكات جديدة تعيد رسم ملامح الإعلام العربي في السنوات المقبلة .
فحين يجتمع الإعلاميون من مختلف الدول العربية مع خبراء وصنّاع تجربة من أنحاء العالم، فإن القيمة الحقيقية لا تكمن فقط في الكلمات التي تُقال على المنصات، وإنما في الأفكار التي تولد بين الجلسات ، والعلاقات التي تُبنى، والأسئلة الجديدة التي يطرحها المشاركون على أنفسهم ومؤسساتهم .
إنها قمة في الإعلام ، لكنها في جوهرها قمة حول المستقبل كما اشارت منى غانم المرّي، رئيسة نادي دبي للصحافة، رئيسة اللجنة التنظيمية لقمة الإعلام العربي .
ومثلما أثبتت دبي أن المستقبل ليس موعدًا ننتظره ، بل مشروعًا نبنيه ، تأتي قمة الإعلام العربي لتؤكد أن الإعلام أيضًا ليس مجرد قطاع يتلقى التحولات، بل قطاع يستطيع أن يصنعها ويوجهها ويمنح المجتمعات القدرة على فهمها.
ولذلك، فإن انعقاد الدورة الرابعة والعشرين بهذا الحجم والتنوع وفي هذه اللحظة العالمية الدقيقة يحمل رسالة واضحة : العالم العربي يمتلك القدرة على أن يكون حاضرًا في النقاش العالمي حول مستقبل الإعلام، وأن ينتقل من موقع المتلقي للتجارب إلى موقع الشريك في صناعتها.
إنها دبي مرة أخرى، تفتح نوافذها للعالم، وتدعو الإعلام العربي إلى أن يرفع سقف طموحه.
ومن مركز دبي التجاري العالمي، حيث تتقاطع الأفكار والخبرات والطموحات، قد لا يكون السؤال الأهم هو: كيف سيكون إعلام الغد؟
بل ربما يكون السؤال الأكثر جرأة:
هل نحن مستعدون لأن نصنعه بأنفسنا؟.
وقمة الإعلام العربي، في هذه الدورة الاستثنائية، تبدو وكأنها تقول بوضوح. : نعم، لقد حان الوقت.
فالمستقبل لا ينتظر الإعلام العربي…
المستقبل يُكتب الآن.

