البيعة السعودية.. عهدُ الثقة الذي يصنع دولة المستقبل.
بقلم – أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
يحتفي الشعب السعودي بالذكرى الثانية عشرة لمبايعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، لا بوصفها مجرد ذكرى تستعيد تاريخًا سياسيًا، بل باعتبارها محطة تتجدد فيها دلالات البيعة التي قامت عليها العلاقة بين القيادة والشعب. علاقة لم تصنعها الكلمات وحدها، وإنما رسّختها الثقة، وحماها الاستقرار، وأثبتتها سنوات من الإنجاز والتحولات التي أعادت صياغة حاضر المملكة وفتحت أمامها آفاقًا أوسع للمستقبل.
فالبيعة في الوعي السعودي ليست طقسا احتفاليا ينتهي بانتهاء المناسبة، بل عهدٌ تتجسد معانيه في الولاء للدولة، وفي الالتفاف حول قيادتها، وفي الإيمان بأن قوة الوطن تبدأ من تماسكه الداخلي وقدرته على النظر إلى المستقبل بثقة.
ومنذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم، دخلت المملكة مرحلة اتسمت بسرعة التحول واتساع مداه. لم يكن التغيير مجرد استجابة لظروف جديدة، بل جاء ضمن رؤية متكاملة أعادت تعريف كثير من أولويات الدولة، وفتحت المجال أمام طاقات المجتمع، وأطلقت مشاريع وتحولات جعلت المستقبل جزءاً من الحاضر. وفي قلب هذا المسار برزت رؤية المملكة 2030 باعتبارها مشروعا وطنيا واسعا يعيد بناء الاقتصاد والمجتمع ويعزز مكانة المملكة في محيطها العربي والإسلامي والدولي.
ولعل قيمة هذه المرحلة لا تقاس فقط بعدد المشاريع التي شُيدت، أو المؤشرات التي تحسنت، وإنما بقدرة المملكة على الانتقال من إدارة التحولات إلى صناعتها. فقد أصبحت التنمية أكثر اتصالاً بجودة الحياة، وأصبح الاستثمار في الإنسان جزءاً أساسيا من مشروع الدولة.
كما ان الشباب والمرأة لم يعودوا مجرد مستفيدين من مسار التنمية، بل أصبحوا من أهم أدواتها، يشاركون في سوق العمل، وفي الإدارة، وفي الثقافة والرياضة والاقتصاد، ويقدمون صورة جديدة للمجتمع السعودي الذي يحافظ على هويته وهو يوسع مجالات حضوره وانفتاحه.
وفي هذا التحول أيضا تبدلت صورة المملكة في العالم. اتسعت أبوابها أمام السياحة والاستثمار والفعاليات الدولية، وأصبحت مدنها تستضيف الأحداث الكبرى، بينما تحولت مواقع تاريخية وطبيعية إلى وجهات عالمية. من الدرعية إلى العلا، ومن مشاريع البحر الأحمر إلى القدية، ومن النهضة العمرانية إلى الفضاء الرياضي والثقافي، تتشكل أمام العين ملامح دولة لا تكتفي بتطوير ما لديها، وإنما تستثمر في إمكانات لم تكن قد أخذت مكانها الكامل في السابق.
غير أن الإنجاز الأهم يبقى في الإنسان. فالمشروعات الكبرى لا تكتسب معناها الحقيقي إلا حين تنعكس على حياة المواطن، وعلى مستوى الخدمات، وعلى فرص العمل، وعلى البيئة التي يعيش فيها، وعلى شعوره بأن وطنه يتحرك إلى الأمام. ولهذا فإن التحول السعودي لا يمكن اختزاله في الأبراج والمشروعات العملاقة،إنه تحول في مفهوم الحياة نفسها، وفي العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي قدرة المواطن على المشاركة في صناعة المستقبل.
وفي هذا السياق، تبدو البيعة أعمق من مجرد مناسبة وطنية. إنها تعبير عن ثقة تراكمت عبر سنوات من العمل، وعن إدراك بأن الاستقرار ليس حالة ساكنة، بل قاعدة تسمح للدولة بأن تخطط وتنفذ وتنافس وتحقق. وحين يلتقي الاستقرار السياسي مع الطموح التنموي، تصبح الدولة أكثر قدرة على مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية، وأكثر إستعدادا لحماية مصالحها وصيانة قرارها الوطني.
ويكتسب هذا المعنى بعدا إضافيا مع الدور الذي يضطلع به ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، الذي يقود جانبا واسعا من تفاصيل التحول السعودي، ويدفع بمشروعات رؤية 2030 نحو آفاق أكثر طموحا. وهنا تبدو خصوصية التجربة السعودية في التكامل بين قيادة تحافظ على ثوابت الدولة، وقيادة شابة تدفع نحو المستقبل، ومجتمع بات أكثر انخراطا في مشروع التحول وأكثر ثقة بقدرته على المشاركة فيه.

لذلك فإن الاحتفال بهذه المناسبة لا ينبغي أن يكون استعادة للماضي بقدر ما هو تأمل في المسافة التي قطعتها المملكة، وفي الطريق الذي ما زال مفتوحا أمامها. فالدول الكبرى لا تُقاس فقط بما أنجزته، وإنما بما تمتلكه من قدرة على مواصلة الإنجاز، وتجديد أدواتها، وتحويل طموحاتها إلى واقع.
وفي كل عام، تأتي البيعة لتقول إن علاقة السعوديين بقيادتهم ليست منفصلة عن قصة وطنهم. إنها جزء من ذاكرة الدولة وحاضرها ومستقبلها. وكلما أضيف إنجاز جديد إلى مسيرة المملكة، اتسع معنى الوفاء، لأن البيعة في النهاية ليست كلمات تُقال، وإنما ثقة تُصان، ومسؤولية تُحمل، ووطن يتقدم.
