السعودية … حين تتحول التكنولوجيا إلى قوة اقتصادية .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تعد المملكة العربية السعودية تنظر إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باعتبارهما مجرد أدوات للمستقبل ، بل أصبحت تتعامل معهما باعتبارهما أحد أهم محركات الاقتصاد الجديد ، وأحد الأعمدة الأساسية للتحول الذي تقوده ” رؤية 2030 ” .
خلال سنوات قليلة ، استطاعت المملكة أن تحقق تحولا لافتا في الاقتصاد الرقمي ، الذي نما بنسبة. أكثر من 75% منذ إطلاق ” رؤية 2030 ” ، بالتوازي مع توسع كبير في الوظائف التقنية ، وبناء الكفاءات الوطنية ، وتطوير البنية التحتية الرقمية ، وجذب الاستثمارات في الحوسبة السحابية والتقنيات المتقدمة .
هذا التحول الكبير لا يتعلق بالأرقام وحدها . الأهم أن السعودية بدأت تبني منظومة متكاملة للتكنولوجيا ، تجمع بين الاستثمار ، والابتكار ، والجامعات ، والقطاع الخاص ، والكوادر الوطنية ، لتضع الاقتصاد الرقمي في قلب مشروعها التنموي .
وفي مقدمة هذا المشهد يأتي الذكاء الاصطناعي ، الذي بات يمثل أحد أبرز رهانات المملكة للمستقبل .
فالرياض لا تريد أن تكون مجرد مستهلك للتقنيات التي تنتجها الدول الكبرى ، وإنما تسعى إلى أن تكون لاعبا مؤثرا في صناعتها وتطويرها وتطبيقاتها ، وأن تجعل الذكاء الاصطناعي جزءا من قطاعات الاقتصاد والخدمات والصناعة والطاقة والصحة والتعليم والمدن الذكية .
وما يلفت الاهتمام في التجربة السعودية أن التكنولوجيا لم تُفصل عن الاقتصاد .
فكل استثمار جديد في البنية الرقمية ، وكل مركز بيانات ، وكل مشروع للحوسبة السحابية ، وكل برنامج لتطوير المهارات التقنية ، يتحول إلى جزء من استراتيجية اقتصادية أوسع تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وخلق وظائف نوعية ورفع إنتاجية الاقتصاد .
ومن هنا تبرز أهمية مؤتمر ” ليب ” ، الذي تحول إلى موعد عالمي بارز في قطاع التكنولوجيا ، ومساحة تلتقي فيها الشركات العالمية والمستثمرون والمبتكرون وصناع القرار .
والرهان السعودي اليوم لا يتوقف عند تنظيم مؤتمر ناجح ، بل يتجاوز ذلك إلى تحويل المملكة إلى منصة إقليمية للاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي .
لقد تغيرت صورة المملكة بصورة عميقة . الدولة التي ارتبط اسمها لعقود بانتاج الطاقة و النفط ، أصبحت اليوم تقدم نفسها للعالم باعتبارها مركزا صاعدا للتكنولوجيا والابتكار والاستثمار الرقمي .
وهذه ربما إحدى أهم نتائج ” رؤية 2030 ” : أنها لم تكتفِ بتنويع الاقتصاد ، بل أعادت تعريف طموح المملكة نفسها .
فالنفط كان ولا يزال موردا مهما ، لكن السعودية الجديدة تريد أن تضيف إليه شيئا أكثر استدامة : المعرفة ، والبيانات ، والابتكار ، والذكاء الاصطناعي ، ورأس المال البشري .
إنها معركة المستقبل ، والسعودية دخلتها مبكرا وبثقة .
وإذا كانت المرحلة الأولى من ” رؤية 2030 ” قد وضعت الأسس للتحول الرقمي ، فإن المرحلة المقبلة تبدو أكثر طموحا : الانتقال من استخدام التكنولوجيا إلى إنتاجها ، ومن استقطاب الشركات إلى بناء منظومة ابتكار قادرة على المنافسة عالميا ، ومن الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد تقوده المعرفة والتقنيات المتقدمة .
السعودية اليوم لا تنتظر المستقبل التكنولوجي حتى يأتي إليها. إنها تحاول أن تصنعه بنفسها و تبدع في ذلك .

