تدمر لا تموت؟… حين ينتصر الحجر على الإرهاب .
-تدمر – دمشق : عرب 21 : بقلم – أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يكن تدمير تدمر مجرد اعتداء على موقع أثري يمكن ترميمه ، ولا جريمة عابرة استهدفت أعمدة ومعابد ومنحوتات صامتة . كان ما حدث محاولة لاغتيال الذاكرة نفسها ، ولإسكات مدينة ظلّت ، على مدى قرون ، شاهدة على قدرة الإنسان على بناء الجسور بين الحضارات والثقافات والأديان والشعوب .
حين دخل تنظيم ” داعش ” تدمر، لم يكن يحارب حجارة لا تدافع عن نفسها ، بل كان يحارب تاريخا لا يستطيع تغييره .
ولذلك استهدف المعابد وقوس النصر والتترابيل والمسرح والمنحوتات ، كما استهدف الإنسان الذي كرّس حياته لحمايتها . كان يريد أن يفرض على المكان رواية واحدة ، وأن يمحو كل ما يذكّر بأن هذه الأرض كانت ، قبل أن تصبح ساحة للحرب، ملتقىً للحضارات وطرق التجارة والأفكار .
ولهذا فإن معركة تدمر اليوم ليست مجرد مشروع لإعادة بناء ما تهدّم ، بل معركة لاستعادة معنى المكان ، وإعادة وصل السوريين بجزء من تاريخهم الذي حاول الإرهاب اقتلاعه بالنار والدم .
فتدمر ليست مجرد مدينة أثرية في قلب الصحراء السورية .
إنها واحدة من أكثر الشواهد وضوحًا على تفاعل الحضارات الآرامية واليونانية والرومانية والفارسية ، وعلى حقيقة تاريخية بسيطة وعميقة في آن : أن الحضارات العظيمة لم تُبنَ في عزلة ، وأن المدن التي خلدها التاريخ كانت دائمًا ثمرة لقاء البشر والثقافات واللغات والتجارة والأفكار .
ومن هنا كان استهدافها مقصودا في جوهره .
لم يرَ تنظيم ” داعش ” في تلك الأعمدة والمعابد والمنحوتات تراثا إنسانيا مشتركا ، وإنما رأى ذاكرة تناقض رؤيته المغلقة للعالم . وحين عجز عن محو التاريخ ، حاول تدمير شواهده .
لكن جريمة تدمر كانت بشرية قبل أن تكون حجرية .
فقد قُتل سكان وأُعدم جنود ، واغتيل عالم الآثار خالد الأسعد ، الرجل الذي ارتبط اسمه بتدمر حتى أصبح دفاعه عن آثارها جزءًا من تاريخها الحديث .
ثم امتدت آلة التدمير إلى المعابد وقوس النصر والتترابيل والمسرح ، في محاولة بدت وكأنها تستهدف إقناع الأجيال المقبلة بأن هذا الماضي لم يكن موجودًا أصلا .
غير أن الذاكرة ، مثل تدمر نفسها، أكثر صلابة مما يتخيل الذين يحاولون قتلها .
بعد سنوات من الخراب ، بدأت جهود شاقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وترميم ما يمكن ترميمه . ودخلت مؤسسة ” أليف ” المعنية بحماية التراث في مناطق النزاع ، إلى جانب خبراء وعلماء آثار ومرممين سوريين ودوليين ، في مهمة تشبه إعادة تركيب ذاكرة مدينة من شظاياها .
في متحف تدمر ، لا تزال آثار القصف والنهب والدمار تروي جانبا من المأساة ، فيما تتواصل في دمشق جهود ترميم القطع التي أمكن إنقاذها .
آلاف القطع أُجلِيت إلى العاصمة قبل سقوط المدينة ، بينما دُمّرت قطع أخرى أو شُوّهت أو فُقدت .
واليوم يحاول المختصون إعادة بناء قصة كاملة من أجزاء متناثرة : حجر هنا ، ووجه منحوت هناك ، وشظية لا يُعرف في البداية إلى أي عمل تنتمي .
وهنا تكمن إحدى أصعب مفارقات الترميم .
فهو ليس مجرد جمع أحجار وإعادة تركيبها . هناك سجلات فُقدت ، وقطع بلا أرقام ، ووثائق تضررت ، وخبرات غادرت البلاد ، وأجيال جديدة تحتاج إلى التدريب . ولذلك فإن إنقاذ التراث لا ينفصل عن إنقاذ المؤسسات التي تحميه ، وعن إعادة بناء المعرفة التي بددتها سنوات الحرب.
لكن السؤال الأكثر تعقيدا لا يتعلق بكيفية إعادة بناء ما تحطم ، وإنما بما ينبغي أن نعيده وكيف .
هل يجب أن تعود المعالم إلى صورتها السابقة ، وكأن شيئًا لم يحدث ؟ أم ينبغي أن تظل بعض آثار الدمار حاضرة لتروي للأجيال القادمة ما حدث ؟ .
إعادة بناء معبد أو قوس نصر قد تستعيد الشكل ، لكنها لا تستطيع استعادة الزمن .
وفي المقابل ، فإن ترك الخراب كما هو قد يحوّل الجريمة إلى مشهد دائم ، وربما يمنح الإرهابيين انتصارًا رمزيًا بعد سنوات من هزيمتهم العسكرية .
بين الخيارين يقف علم الترميم أمام سؤال يتجاوز علم الآثار : هل نعيد بناء الحجر فقط، أم نحافظ أيضًا على ذاكرة الجرح الذي أصابه ؟ .
ربما لا توجد إجابة واحدة ، لكن هناك حقيقة لا ينبغي أن تغيب : إن محو آثار الجريمة ليس الطريق إلى استعادة الماضي .
فالتراث الذي يعاد ترميمه لا ينبغي أن يتحول إلى نسخة مصطنعة من تاريخ انتهى ، وإنما إلى شهادة حيّة على ما عاشته المنطقة، وعلى قدرة الإنسان على حماية ما حاول العنف إبادته .
غير أن استعادة تدمر لا يمكن أن تتوقف عند حدود المتحف .
فالمدينة نفسها دفعت ثمن الحرب ، وفقدت جزءًا كبيرا من سكانها ، وتراجعت الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تمنح المكان روحه .
كانت تدمر تستقبل الزوار من مختلف أنحاء العالم ، فإذا بها تتحول إلى مدينة مثقلة بالخراب والخوف والفراغ .
لذلك فإن إنقاذ تدمر يعني إعادة الإنسان إليها بقدر ما يعني إعادة الحجر إلى مكانه .
الأمن والاستقرار وعودة السكان وبناء المؤسسات القادرة على حماية المواقع الأثرية ، كلها شروط لا تقل أهمية عن الأموال المخصصة للترميم .
فلا يمكن لمتحف أن يستعيد دوره إذا بقيت المدينة خائفة ، ولا يمكن للسياحة أن تزدهر في مكان غابت عنه الطمأنينة ، ولا يمكن للتراث أن يعيش إذا ظل منفصلًا عن المجتمع الذي يفترض أن يحميه .
ومن هنا تكتسب مبادرات إشراك الأطفال والشباب في علم الآثار أهمية استثنائية . فالجيل الذي لم يرَ تدمر قبل الحرب لا يكفي أن يتعرف إليها من خلال كتاب مدرسي .
عليه أن يلمسها ، وأن يعرف قصتها ، وأن يشعر بأن هذه الأعمدة والمعابد والنقوش ليست مجرد بقايا حجرية، وإنما جزء من ذاكرته وهويته ومسؤوليته تجاه المستقبل .
فحين يتعلم الطفل السوري أن تدمر نجت من محاولات محوها ، فإنه يتعلم في الوقت نفسه أن التاريخ لا يكتبه من يملك السلاح وحده، وأن الحضارة تستطيع أن تنتصر على العنف حتى بعد أن تدفع ثمنًا باهظًا .
تدمر تختصر مأساة التراث في مناطق النزاع .
حين يسقط حجر ، لا يسقط حجر واحد، بل تسقط معه صفحة من ذاكرة الإنسان. وحين تُحطم منحوتة، لا تضيع قطعة فنية فحسب، بل يضيع جزء من قصة البشرية عن نفسها.
لكن لكل قطعة يعاد تركيبها رسالة أخرى، مناقضة تمامًا لرسالة الذين دمروها: يمكن كسر الحجر، لكن لا يمكن كسر الذاكرة بالسهولة نفسها .
ولهذا فإن ترميم تدمر ليس مشروعًا هندسيًا أو سياحيًا فحسب . إنه فعل مقاومة ثقافية، وانتصار لفكرة أن الحضارة أقوى من الإرهاب، وأن الذاكرة يمكن أن تنهض حتى من بين الأنقاض .
وما يُستعاد اليوم في مخازن المتاحف وورش الترميم ليس مجرد تماثيل ونقوش وأحجار ، بل جزء من روح مدينة حاول الإرهاب أن يحولها إلى شاهد على الموت، بينما يريد السوريون والعالم أن يعيدوا إليها معنى الحياة .
تدمر لا تحتاج إلى أن تنسى جراحها حتى تنهض .
بل تحتاج إلى أن تجعل من جراحها جزءًا من شهادتها على التاريخ .
وربما يكون أعظم انتصار لتدمر ليس أن تعود كما كانت تمامًا ، وإنما أن يقف طفل سوري ، بعد سنوات ، أمام أحد معابدها ، فينظر إلى أعمدتها المرممة وآثار جراحها، ويدرك أن الذين حاولوا محو ماضيه فشلوا .
عندها فقط ، سيكون الحجر قد قال كلمته الأخيرة : تدمر لا تموت… لأن الذين أرادوا قتل ذاكرتها لم يفهموا أن الحضارات قد تُجرح ، وقد تُنهب ، وقد تُحطم شواهدها ، لكنها تستطيع دائمًا أن تنهض من الركام وتبدأ فصلًا جديدًا من الحكاية .
