38°C تونس
14/09/2026
أرشيف القذافي … الصندوق الأسود الذي يعيد كتابة تاريخ المنطقة !.
أراء وأفكار

أرشيف القذافي … الصندوق الأسود الذي يعيد كتابة تاريخ المنطقة !.

سبتمبر 14, 2026

بقلم – ابوبكر الصغير .

” معظم التاريخ ظنّ ، وبقيته من إملاء الهوى والنفاق والرياء ” .
كلما عدت إلى هذه العبارة شعرت أن التاريخ العربي الحديث يحتاج ، أكثر من أي وقت مضى ، إلى إعادة قراءة .
ليس لأن ما كُتب عنه كله كذب، وإنما لأن جزءا كبيرا منه كُتب بأقلام المنتصرين ، أو تحت ضغط الخوف ، أو وفق مصالح الأنظمة ، أو بإملاء السياسة التي كانت تعرف كيف تخفي الحقيقة أكثر مما تعرف كيف تكشفها .
ومن هنا، فإن بعض الشخصيات لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها جزءًا من التاريخ، وإنما باعتبارها خزائن بشرية لأسرار مرحلة كاملة .
عبد السلام جلود واحد من هؤلاء .
التقيت الرجل بانتظام في باريس ، في أحد أفخم فنادقها ، في مرحلة كان يفكر فيها في تدوين مذكراته.
عرض عليّ أن أكتب له هذه المذكرات، وبالفعل عقدنا جلسات طويلة ، كان الحديث فيها يتجاوز السيرة الشخصية إلى تفاصيل مرحلة كاملة من تاريخ ليبيا والعالم العربي .
كنت أجلس أمام رجل لم يكن شاهدا على التاريخ من بعيد ، وإنما كان واحدا من صانعيه .
فجلود لم يكن مسؤولا هامشيا في نظام معمر القذافي .
كان الرجل الثاني تقريبا في ليبيا ، وعضوًا في مجلس قيادة الثورة ، ورئيسًا للحكومة ، وأحد أبرز أركان النظام في سنواته الأولى ، قبل أن تتسع الخلافات بينه وبين القذافي وينتهي به الأمر إلى الابتعاد عن النظام ثم الانشقاق عليه.
ولهذا كانت مذكراته ، بالنسبة إليّ ، أكثر من كتاب في السيرة الذاتية .
كانت يمكن أن تكون شهادة من داخل غرفة مغلقة على عقود من التاريخ الليبي والعربي .
ومع ذلك ترددت.
لم يكن التردد بسبب نقص المادة ، بل بسبب كثافتها وخطورتها .
كان في جعبة الرجل، كما بدا لي، الكثير مما يمكن أن يفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود ، ويضع أسماء وأحداثا وقرارات أمام أسئلة لم تجد إجاباتها النهائية بعد .
ثم ظهرت لاحقا ” الملحمة ” ، بمساعدة آخرين ، لتقدم رواية جلود عن مسيرته وعن ليبيا التي عرفها من داخل السلطة ، وعن علاقته بالقذافي والضباط الأحرار، وعن الصراعات التي مزقت النظام من داخله .
لكنني ظللت أعتقد أن الكتاب ، مهما كانت أهميته ، ليس سوى جزء من الحكاية .
أما الحكاية الأكبر ، فقد تكون موجودة في مكان آخر .
في الأرشيف تحديدا .
أخطر ما تركه سقوط نظام القذافي، في تقديري، لم يكن فقط الأموال الهائلة التي كانت موجودة أو مفترضة في مؤسسات الدولة الليبية، ولا الذهب، ولا السلاح، ولا الممتلكات. قد يكون الكنز الحقيقي الذي خلفه النظام هو ذلك الكم الهائل من الوثائق والملفات التي راكمتها أجهزته الأمنية والاستخباراتية على مدى عقود .
فأجهزة الاستخبارات لا تعمل فقط على جمع المعلومات ، بل تجمع تاريخا موازيا للدول والمجتمعات .
تسجل الاتصالات ، واللقاءات ، والتحركات ، والعلاقات ، ومصادر التمويل ، والاتفاقات السرية ، وأسماء الوسطاء ، ونقاط الضعف ، والخلافات داخل الأحزاب ، واتصالات السياسيين ، وعلاقات رجال الأعمال ، وتحركات المعارضين ، وكل ما تعتبره الدولة ضروريًا لفهم محيطها أو التأثير فيه .
وكانت ليبيا القذافي ، بحكم موقعها الجغرافي وسياساتها الخارجية وشبكة تحالفاتها وصراعاتها، شديدة الاهتمام بما يجري حولها.
ومن الطبيعي أن تكون تونس ، الجارة القريبة ، واحدة من أكثر الساحات حضورًا في الحسابات الليبية .
تونس لم تكن بالنسبة إلى طرابلس مجرد دولة مجاورة .
كانت ساحة سياسية وأمنية وإعلامية شديدة الحساسية ، تتقاطع فيها علاقات ليبيا مع شخصيات سياسية ونقابية وحزبية وإعلامية، ومع ملفات عابرة للحدود .
ولهذا فإن أي أرشيف استخباراتي ليبي كامل يمكن أن يحتوي على مواد شديدة الأهمية حول شخصيات وأحداث تونسية وعربية عديدة ، من محمد المصمودي والهادي نويرة والحبيب عاشور ، إلى سياسيين ومحامين وصحافيين ومثقفين ورجال أعمال ، فضلًا عن ملفات المعارضة والنشاط السياسي والإعلامي .
والأهم أن بعض الملفات التي ما زالت أسئلتها أكبر من أجوبتها قد تكون لها ، نظريا، آثار في تلك الوثائق .
كيف جرت بعض الاتصالات والضغوط التي أحاطت بمعاهدة جربة؟ .
ماذا حدث فعلا في ملف طرد عشرات الالاف من العمال التونسيين من ليبيا؟ .
ما حقيقة الملابسات المحيطة بمحاولة اغتيال الهادي نويرة؟ .
وماذا كان وراء مخطط استهداف فندق هيلتون في تونس بتفجيره ، حيث كانت تنعقد اجتماعات عربية؟ .
وما الدور الذي لعبته ليبيا في عملية قفصة؟.
وكيف عملت إذاعة الثوار التونسيين من الأراضي الليبية؟.
وإلى أي حد كان القذافي منخرطًا في محاولات تغيير النظام السياسي في تونس؟.
ثم، في نهاية عهد زين العابدين بن علي، هل حاول النظام الليبي فعلًا إنقاذه وإعادته إلى الحكم؟ ومن كان وراء تلك الاتصالات؟.
وما حقيقة الصراعات داخل النظام الليبي نفسه، ودور بعض قياداته في التآمر على القذافي؟ .
ثم هناك ملفات أكبر من الحدود الليبية والتونسية : لوكربي، واغتيالات المعارضين الليبيين ، والعلاقات مع الحركات المسلحة، وشبكات التمويل والاتصال التي امتدت من إفريقيا إلى أوروبا والعالم العربي.
كل هذه الأسئلة لا يجوز تحويلها إلى اتهامات بمجرد وجودها في الذاكرة السياسية أو في الروايات المتداولة .
الحقيقة تحتاج إلى وثيقة ، والوثيقة تحتاج إلى تحقيق ومقارنة وتدقيق .
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو : ماذا لو كانت بعض الإجابات موجودة فعلًا في الأرشيف الليبي؟.
هنا تتحول الوثائق من مجرد أوراق قديمة إلى قوة سياسية .
فالأرشيف الاستخباراتي ليس ذاكرة محايدة بالضرورة.
إنه ذاكرة كتبتها أجهزة كانت لها أهدافها وانحيازاتها، وقد تحتوي على معلومات صحيحة وأخرى ناقصة أو مضللة أو مبالغ فيها. ولذلك فإن قيمتها لا تكمن في تصديق كل ما فيها، وإنما في إخضاعها للتحقيق والمقارنة مع أرشيفات الدول الأخرى وشهادات المشاركين والوثائق الدبلوماسية والقضائية.
ومع ذلك، فإن مجرد وجود مثل هذا الكم من الوثائق يجعلها ثروة تاريخية استثنائية.
من يملك الوثيقة لا يملك الحقيقة بالضرورة ، لكنه يملك مفتاحًا يمكن أن يفتح أبوابًا كثيرة.
وهنا تكمن خطورة الأمر .
إذا أصبح هذا الأرشيف ملكا لجهة سياسية أو استخباراتية أو دولة ، فقد يتحول من مادة تاريخية إلى أداة نفوذ. يمكن استخدام وثيقة ضد خصم، أو تسريب ملف في توقيت سياسي معين، أو إعادة فتح قضية قديمة، أو ابتزاز شخصية، أو إعادة رسم رواية حدث تاريخي بأكمله.
ذلك أن الوثائق السرية لا تموت بانتهاء الأنظمة التي صنعتها .
أحيانًا تبدأ حياتها السياسية الحقيقية بعد سقوط تلك الأنظمة .
ولذلك فإن أرشيف القذافي ، إذا بقي جزء كبير منه محفوظًا وسليمًا ، قد يكون واحدًا من أخطر الكنوز السياسية والتاريخية التي خرجت من رحم القرن العشرين العربي .
ليس لأنه يكشف فقط ماذا فعل القذافي ، وإنما لأنه قد يكشف أيضًا ماذا فعل الآخرون معه، وماذا فعلوا من خلاله، وماذا كانوا يقولون في الغرف المغلقة بينما كانوا يقولون شيئًا آخر أمام شعوبهم .
وهنا تعود عبارة البداية إلى معناها الكامل :
” معظم التاريخ ظن، وبقيته من إملاء الهوى والنفاق والرياء ” .
لكن الوثيقة ، حين تظهر ، تستطيع أن تُربك الرواية.
وقد تكشف أن بعض الأبطال لم يكونوا أبطالًا كما قيل، وأن بعض الخونة لم يكونوا خونة كما كتب التاريخ، وأن بعض الأحداث التي حفظناها في ذاكرتنا بوصفها حقائق نهائية لم تكن سوى نصف الحقيقة.
وربما لهذا السبب بالذات لا ينبغي أن يبقى الأرشيف الليبي مجرد غنيمة تتنازعها القوى، ولا صندوقًا مغلقًا في عواصم مختلفة .
إنه، قبل كل شيء، ملك للتاريخ.
والتاريخ لا ينبغي أن يكون رهينة من يملك المفتاح.
فإذا كان القذافي قد ترك وراءه نظامًا سقط، ومدينة سياسية انهارت، وشبكات نفوذ تفرقت، فإنه ترك أيضًا أوراقًا قد تكون قادرة على أن تعيد كتابة أجزاء من تاريخ ليبيا وتونس والعالم العربي .
أما عبد السلام جلود، الذي جلست أمامه في باريس، فلم يكن بالنسبة إليّ مجرد رجل من الماضي .
كان شاهدًا حيًا على عصر ، على زمن لم يُكتب كله بعد.
وربما كانت ” الملحمة ” التي صدرت باسمه مجرد بداية، لا نهاية .
أما الملحمة الحقيقية ، فقد تكون في تلك الملفات التي لم تُفتح بعد.
هناك، بين الورق الأصفر والأختام السرية والتقارير المنسية، قد تكون قصص رؤساء ووزراء وأحزاب وحركات وأجهزة، وقد تكون إجابات عن أسئلة ظلت لعقود بلا جواب.
وقد يكون أعظم ما يمكن فعله اليوم ليس نشر الأسرار لمجرد الإثارة ، وإنما إخراجها من الظلام إلى دائرة البحث والتاريخ والقانون .
فالأمم لا تصنع مستقبلها بكشف أسرار الماضي للانتقام ، وإنما بفهم الماضي حتى لا يتحول مرة أخرى إلى فخ.
وفي النهاية ، قد لا يكون أخطر ما في أرشيف القذافي ما يقوله عن القذافي نفسه …
بل ما قد يقوله عن الآخرين.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *