الأنفاليد.. حين تستقبل فرنسا ولي العهد السعودي في قلب ذاكرتها الوطنية.
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يكن اختيار قصر ” الأنفاليد ” الوطني في باريس لاستقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مجرد تفصيل بروتوكولي في برنامج زيارة دولة رسمية ، ولا محطة عابرة تسبق الانتقال إلى قصر الإليزيه لإجراء المباحثات.
ففي الدبلوماسية ، لا تتحدث الدول بالكلمات وحدها ، بل تتحدث أيضا بالأماكن والمراسم ومستوى التشريف الذي تمنحه لضيوفها .
وأحيانا يكون المكان الذي تختاره الدولة لاستقبال ضيفها أكثر بلاغة من كثير من البيانات والتصريحات .
ومن هذه الزاوية تحديدا ، تكتسب مراسم استقبال الأمير محمد بن سلمان في ساحة الشرف بقصر الأنفاليد دلالة استثنائية . ف ” الأنفاليد ” ليس مجرد متحف عسكري ، بل أحد أكثر الفضاءات الفرنسية ارتباطا بالذاكرة الوطنية والعسكرية ، ومكان تتقاطع فيه رموز الدولة والتاريخ والجيش والسيادة .
ولذلك فإن اختيار ساحته الشرفية لإقامة مراسم الاستقبال الرسمي يحمل رسالة تتجاوز حدود البروتوكول إلى عمق العلاقة السياسية والرمزية بين فرنسا والمملكة العربية السعودية .
في هذا المكان تُقام عادة واحدة من أرفع مظاهر التشريف العسكري ، من عزف النشيدين الوطنيين واستعراض القوات وتحية العلم .
هذه المراسم لا تُفهم فقط باعتبارها تكريما لشخصية سياسية زائرة ، بل بوصفها تحية للدولة التي يمثلها الضيف ، وتعبيرا عن المكانة التي تمنحها له الدولة المضيفة .
وعندما يكون الضيف هو ولي عهد المملكة العربية السعودية ، فإن المشهد يتجاوز شخص الأمير محمد بن سلمان إلى الدولة السعودية بكل ثقلها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي .
ف ” الأنفاليد ” يحتل مكانة خاصة في الذاكرة الوطنية الفرنسية .
منذ تأسيسه ارتبط بالمؤسسة العسكرية وبالجنود الفرنسيين ، وتحول عبر التاريخ إلى أحد أبرز الرموز التي تختزن ذاكرة فرنسا العسكرية .
ويضم متحف الجيش ، كما يحتضن كنيسة القبة التي ارتبطت بصورة نابليون بونابرت ، ليصبح المكان شاهدا على صفحات أساسية من تاريخ فرنسا وعلى العلاقة العميقة بين الدولة والجيش والذاكرة الوطنية .
ومن ثم، فإن استقبال قائد سياسي أجنبي في ساحته الشرفية يحمل دلالة رمزية واضحة : إدخاله إلى واحد من أكثر فضاءات الدولة الفرنسية حمولة تاريخية ، وإحاطته برموز السيادة والتاريخ والقوة الوطنية .
وهنا تكمن أهمية المشهد .
فرنسا لم تختر مكانا محايدا لاستقبال ولي العهد السعودي ، بل اختارت فضاء يحمل في داخله تاريخ القوة والسيادة والجيش والأمة . وكأن البروتوكول الفرنسي أراد أن يقول ، قبل أن تبدأ المباحثات السياسية ، إن الضيف يحظى بمستوى رفيع من التكريم ، وإن الدولة التي يمثلها تحتل مكانة خاصة في الحسابات الفرنسية .
ولا يمكن فصل هذه الرمزية عن موقع المملكة العربية السعودية في المعادلة الدولية. فالسعودية اليوم ليست مجرد دولة خليجية ذات ثقل اقتصادي ، بل دولة محورية في الشرق الأوسط، صاحبة حضور سياسي ودبلوماسي متنام ، ومكانة دينية استثنائية ، وثقل اقتصادي كبير، ومشروع تحولي واسع أعاد صياغة صورتها وموقعها في العالم .
وفي قلب هذا التحول يقف الأمير محمد بن سلمان ، المرتبط اسمه برؤية السعودية 2030 وبمشروع إعادة صياغة الاقتصاد والمجتمع والحضور الدولي للمملكة .
ولذلك يصبح استقبال ولي العهد في الأنفاليد استقبالا يحمل أكثر من معنى : تكريم لشخصية سياسية تقود مشروعا سعوديا طموحا ، وفي الوقت نفسه تقدير للمملكة بكل ما تمثله من وزن ومكانة وطموح .
فالعلم السعودي إلى جانب العلم الفرنسي، والنشيد الوطني السعودي في قلب باريس ، والقوات الفرنسية التي تؤدي التحية ، ليست مجرد تفاصيل بروتوكولية .
إنها لغة سيادية كاملة ، تعكس الاحترام الرسمي للدولة الضيفة ومكانتها .
ولعل اختيار الأنفاليد قبل انتقال الضيف إلى قصر الإليزيه يضاعف من دلالة المشهد . فالإليزيه هو قلب القرار السياسي الفرنسي ، حيث تُناقش الملفات وتُصاغ المواقف وتُبحث المصالح المشتركة .
أما ” الأنفاليد ” فيحمل لغة مختلفة : لغة التاريخ والذاكرة والسيادة والرمزية العسكرية .
لذلك يبدو الانتقال من ” الأنفاليد ” إلى الإليزيه ، في حد ذاته، وكأنه انتقال من لغة التكريم إلى لغة السياسة ، ومن استحضار تاريخ الدولة إلى البحث في مستقبل العلاقة .
وهذه إحدى أكثر نقاط المشهد دلالة . فالدولة لا تبدأ الزيارة بالمفاوضات ، وإنما تبدأها بالاحتفاء بمكانة الضيف . وقبل أن تُفتح ملفات السياسة والاقتصاد والدفاع والاستثمار والثقافة ، تُفتح مساحة رمزية تقول إن العلاقة تستحق أن تُستقبل بهذا المستوى من التشريف .
في العلاقات الدولية ، لا تكون المراسم دائما مجرد تفاصيل شكلية . فاختيار المكان ، ومستوى الاستقبال ، وحجم التشريفات ، وطريقة أداء التحية العسكرية ، كلها أدوات من أدوات الدبلوماسية الرمزية .
إنها رسائل صامتة، لكنها شديدة الوضوح ، تحدد درجة الاحترام والأهمية التي تريد الدولة المضيفة التعبير عنها .
ولهذا فإن التكريم العسكري في الأنفاليد لا ينبغي اختزاله في البعد الدفاعي وحده . فالمراسم العسكرية في الزيارات الرسمية الكبرى تمثل واحدا من أرفع أشكال الاحترام السيادي الذي يمكن أن تمنحه دولة لضيف أجنبي . إنها لغة اعتراف بالمكانة ، وليست فقط لغة الجيوش .
وفي حالة الأمير محمد بن سلمان ، تكتسب هذه اللغة أهمية مضاعفة ، لأن العلاقة بين المملكة وفرنسا تتجاوز التعاون التقليدي لتشمل السياسة والاقتصاد والاستثمار والثقافة والدفاع والتكنولوجيا وغيرها من المجالات . فرنسا تنظر إلى المملكة باعتبارها شريكا رئيسيا في منطقة تشهد تحولات عميقة ، فيما ترى الرياض في باريس قوة أوروبية ذات وزن سياسي وثقافي واقتصادي يمكن أن تكون جزءا من مسارها الطموح نحو المستقبل .
وهنا تبرز مفارقة جميلة في المشهد : ولي العهد السعودي ، الذي يمثل مشروعا سياسيا واقتصاديا ينظر بقوة إلى المستقبل ، يُستقبل في واحد من أكثر الأماكن الفرنسية ارتباطا بالماضي والذاكرة والتاريخ العسكري .
كأن المشهد يجمع بين زمنين : فرنسا التي تستحضر تاريخها ، والسعودية التي تستشرف مستقبلها ، ذاكرة دولة عريقة تلتقي بطموح دولة تعيد تشكيل صورتها وموقعها في العالم .
ومن هذه الزاوية ، يصبح ” الأنفاليد ” أكثر من مكان للاستقبال . يصبح جزءا من الرسالة السياسية للزيارة نفسها .
ففرنسا ، باختيارها هذا المكان ، تمنح الضيف أرفع مظاهر التكريم ، وتضع الزيارة في إطار من الاحترام الرسمي والرمزية السيادية .
وهي بذلك لا تستقبل الأمير محمد بن سلمان فقط ، وإنما تستقبل المملكة العربية السعودية في واحدة من أكثر ساحاتها الوطنية دلالة .
إن قوة الدبلوماسية تكمن أحيانا في قدرتها على قول الكثير من دون كلمات كثيرة .
ومشهد ولي العهد السعودي في ساحة ” الأنفاليد ” ، محاطا بالحرس الفرنسي ، وتحت العلمين السعودي والفرنسي ، وعلى وقع النشيدين الوطنيين ، هو مشهد يتجاوز الصورة إلى الرسالة .
إنه إعلان رمزي عن مكانة الضيف ، وعن احترام الدولة التي يمثلها، وعن عمق العلاقة التي تجمع الرياض وباريس .
وهو أيضا تذكير بأن البروتوكول ، حين يُمارس في أماكن ذات ذاكرة ورمزية ، يتحول من طقس رسمي إلى خطاب سياسي كامل .
وفي ” الأنفاليد ” تحديدا ، لم يكن الاحتفاء بشخصية سياسية فحسب ، بل كان احتفاء بدولة ذات وزن ، وبشراكة تتسع ، وبعلاقة سعودية فرنسية تبدو مصممة على الانتقال من منطق التعاون التقليدي إلى أفق أكثر استراتيجية .
ولعل أقوى ما في المشهد أن فرنسا اختارت أن تستقبل المستقبل السعودي في قلب ذاكرتها الوطنية .
هناك، حيث تحفظ فرنسا صفحات من تاريخها العسكري والسيادي ، وقف ولي العهد السعودي ليبدأ زيارة تحمل رسالة واضحة : أن العلاقة بين الرياض وباريس لا تنظر فقط إلى ما كان ، بل إلى ما يمكن أن يكون مستقبلا .

