تونس 34°C

30 ماي 2026

تونس 38°C

30 ماي 2026

المرأة التي أخطأت الصورة … فأصابت مرآتنا نحن .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

ليست كل الصور بريئة … فبعضها يلتقط لحظة، لكنه يفضح رؤية .
هذه الحادثة، التي طالت امرأة تونسية أوقِفت في المملكة العربية السعودية بعد نشرها فيديو من حي يقطنه عمال هنود ، لم تكن مجرد واقعة عابرة بقدر ما كانت مرآة كاشفة : مرآة لنا ، لطريقتنا في النظر ، ولنزعتنا إلى اختزال العالم في لقطة ضيقة .
بعيدا عن الجدل ، يبقى الأمل أن تنتهي هذه المحنة سريعا ، فالقسوة لا تُقابل بالقسوة ، ولا أحد يتمنى أن يُسلب إنسان حريته .
لكن ما يستحق التأمل حقاً ليس الحادثة في حد ذاتها، بل تلك الذهنية التي تكرر نفسها : ذهنية تبحث عن “الاستثناء” لتقدمه كقاعدة ، وعن الهامش لتصوّره مركزا .
ليست هناك دولة كاملة … ولا مجتمع بلا ظلال .
كل بلد يحمل في داخله تناقضاته : واجهات مضيئة ، وأطرافاً متعبة ، إنجازات واضحة ، ونقائص لا تخفى .
لكن الخلل يبدأ حين تتحول هذه التناقضات إلى مادة انتقائية ، تُستخرج منها صورة واحدة ، ثم تُرفع ظلما إلى مقام “ الحقيقة الكاملة ”.
فهل يكفي حيّ متواضع ليُختزل فيه بلد بأكمله ؟.
وهل تختصر زاوية ضيقة تاريخا ، وثقافة ، ومسارا إنسانيا ممتدا ؟ .
بنفس المنطق ، يمكن لأي زائر أن يطأ أرض تونس ، فيختار أكثر مناطقها هشاشة ، يوثقها، ثم يعلن بثقة أنها “ هي تونس ”. والحال أن الحقيقة ، دائما ، أوسع … وأعدل … وأعقد من أن تُختزل .
المشكلة ليست في الكاميرا … بل في زاوية النظر.
ليست في الصورة… بل في القصد من ورائها.
حين يصبح التصوير أداة انتقاء ، والسرد وسيلة تعميم، نفقد المعنى ، ونحوّل الواقع إلى خطاب منحاز . والأسوأ من ذلك ، حين يتسلل إلى هذا السلوك شعور خفي بالتفوق ، أو ما يشبه “ وهم الأفضلية ”، الذي يدفع البعض إلى محاكمة الآخرين بسطحية ، بدل أن يراجعوا أنفسهم بصدق .
فنحن، في تونس، لسنا خارج دائرة النقد . لدينا ما يكفي من التحديات : في النظافة، في التنظيم، في جودة الخدمات… وهي حقائق لا تنتقص منا ، لكنها تفرض علينا تواضعا ضروريا قبل أن نرفع أصابع الاتهام في اتجاه غيرنا .
أما المملكة العربية السعودية، فليست مجرد مشهد عابر يُقتطع من سياقه . هي أرض الحرمين الشريفين ، بما تمثله من عمق روحي ورمزية تتجاوز الجغرافيا .
وهي أيضا بلد يعيش تحولات كبيرة، ويجمع بين الأصالة والتحديث، في صورة لا يمكن اختزالها ولا إنكارها.
إن اختزال الأوطان في مشاهد مبتورة ليس نقدا … بل اختلال في الوعي .
والنقد، حين يكون نزيها ، يبدأ من الداخل ، من فهم السياق ، ومن إدراك التعقيد ، لا من تعميم سهل يختصر الشعوب في لقطات .
في النهاية، قد تكون تلك المرأة قد أخطأت الصورة…
لكنها، من حيث لا تدري، أصابت شيئاً أعمق : أصابت هشاشتنا نحن ، حين نرى العالم بعيون ضيقة ،
وننسى أن الحقيقة… أكبر من كل عدسة .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية