بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
في قلب تصعيد عسكري يزداد يوما بعد يوم توسعا ، ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع على الأراضي الإيرانية ، تتشكل معادلة خطيرة تعيد تعريف طبيعة الصراع : حرب تُدار بلا اكتراث يُذكر بكلفتها الاقتصادية على العالم .
لا يبدو ذلك مجرد اندفاع ظرفي ، بل خيارا استراتيجيا يستند إلى ركيزة حاسمة هي الاستقلال الطاقي ، الذي يمنح إسرائيل هامش مناورة واسعا ، ويحرر قرارها العسكري من ضغوط الأسواق وتقلباتها .
هكذا، تصبح ضربات تستهدف شرايين الطاقة العالمية شأنا خارج حساباتها ، وكأن كلفة الاضطراب يمكن تصديرها إلى الآخرين .
ضمن هذا السياق، لا يبدو استهداف منشآت حيوية مثل حقل “ ساوث بارس ” سوى تجسيد عملي لهذه المقاربة .
فحين تمتلك الدولة بدائلها ، تتراجع حساسية تأثير السوق في قراراتها ، وتتقدم الأهداف العسكرية على ما سواها .
لقد أعادت إسرائيل تكييف اقتصادها مع منطق الحرب منذ سنوات ، خاصة بعد توسع عملياتها في أعقاب هجوم 7 أكتوبر 2023 ، لتتحول الحرب من حدث طارئ إلى حالة مستمرة تُدار بعقل بارد ، حيث المصالح لا ردود الفعل هي التي ترسم الاتجاه .
ولا تقف مكاسب الحرب عند حدود الأمن . فالصناعة العسكرية الإسرائيلية تشهد ازدهارا لافتا ، مدفوعة بعقود تسليح متزايدة ، وبعرض عملي لقدراتها في الميدان .
هنا، لا تُستخدم القوة فقط للردع، بل أيضا كأداة تسويق لنموذج عسكري يُقدَّم على أنه أثبت فعاليته ، ما يفتح أبواب نفوذ اقتصادي أوسع .
سياسيا ، يذهب بنيامين نتنياهو بعيدا في رسم صورة بلاده ، مقدما إياها كقوة تكاد ترتقي إلى مصاف الفاعلين العالميين ، خاصة في ظل تنسيق عملياتي غير مسبوق مع الجيش الأمريكي.
غير أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة جوهرية : إسرائيل تنخرط في مسار مفتوح على حرب بلا أفق زمني ، حيث يتحول التكرار إلى استراتيجية ، لا مجرد احتمال .
إنها قوة تُعرض بوصفها متحررة من القيود ، دون حديث مواز عن الكلفة أو المسؤولية .
غير أن هذا التصور لا يحظى بتطابق كامل داخل واشنطن .
فخلف مشهد التحالف ، تبرز تباينات واضحة في الأهداف . الولايات المتحدة لا تتبنى، على الأقل رسميا ، خيار تغيير النظام في إيران ، بينما يظل هذا الهدف حاضرا. في الحسابات الإسرائيلية .
وقد تجلى هذا التباين بوضوح عقب ضرب “ساوث بارس”، الذي استدعى ردا إيرانيا طال منشآت طاقة في الخليج ، في تصعيد يعكس هشاشة التوازن الإقليمي .
كما كشفت ضربات استهدفت مستودعات وقود قرب طهران عن فجوة أعمق : فبينما ترى إسرائيل في استهداف البنية الطاقية وسيلة لإضعاف الخصم نفسيا ، تنظر واشنطن إلى هذه العمليات بقلق اقتصادي ، خشية ارتفاع أسعار الطاقة عالميا وما قد يجرّه من أزمات تتجاوز حدود المنطقة .
وتتجسد هذه التباينات أيضا في توزيع الأدوار العسكرية : إسرائيل تركز على ضرب العمق الإيراني ، مستهدفة قدرات البلاد العسكرية وأجهزتها ، فيما تتحرك الولايات المتحدة في الجنوب ، ساعية إلى تحجيم القدرات الصاروخية والبحرية ، خصوصا تلك التي تهدد الخليج ومضيق هرمز .
ورغم كثافة الضربات خلال الأسابيع الماضية ، لم ينهَار النظام الإيراني، بل أظهر قدرة على التماسك وإدارة التصعيد ، بل و نقل كلفة الحرب إلى خصومه .
فطهران ما تزال تملك أدوات ضغط إقليمية، وتلوّح بورقة الاقتصاد العالمي ، ما يجعل استمرار الحرب مخاطرة مفتوحة النتائج .
أمام هذا المشهد، تبدو الخيارات محدودة ومحفوفة بالمخاطر : تصعيد في مضيق هرمز بما يهدد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم ، أو توسيع الضربات لتشمل البنى التحتية المدنية داخل إيران ، مع ما يحمله ذلك من تبعات إنسانية وسياسية ثقيلة.
حتى خيار التدخل البري لم يعد مستبعدا ، بما ينذر بانزلاق نحو مرحلة أكثر تعقيدا وخطورة .
في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية الحفاظ على توازن دقيق بين منطق الحرب ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي ، عبر رسائل تطمينية للأسواق ، وإشارات إلى إمكانية تقليص الجهد العسكري تدريجيا ، بل وحتى تخفيف بعض القيود على النفط الإيراني .
لكن الخلاصة تبدو أكثر قسوة : حين تمتلك دولة القدرة على خوض حرب دون أن تتحمل كلفتها المباشرة ، فإنها تميل إلى توسيعها بلا حساب .
وهنا ، لا يعود السؤال من سينتصر ، بل من سيدفع الثمن . وفي عالم مترابط اقتصاديا ، تبدو الإجابة واضحة … الفاتورة ستصل إلى الجميع .



