الكويت … حين تغادر الأوطانُ المكانَ وتسكن الوجدان .
بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
ثمة بلدان نزورها فتبقى في ذاكرتنا صورٌ من شوارعها ومعالمها ، وثمة بلدان أخرى تتجاوز حدود الجغرافيا لتستقر في القلب .
والكويت، بالنسبة إليّ، من هذه الأوطان التي لا تنتهي حكايتنا معها عند لحظة المغادرة، بل تبدأ بعدها حكاية أخرى عنوانها المحبة والامتنان .
لم تكن إقامتي في الكويت مجرد زيارة لبلد عربي ، بل كانت فرصة لاكتشاف وطن من الداخل ، والاقتراب من شعب يجمع بين عزة الانتماء وطيبة المعشر ، وبين الوفاء لجذوره والانفتاح على الآخرين .
عدت منها بانطباعات جميلة ، وبقناعة أعمق بأن عظمة الأوطان لا تُقاس بما تملكه من إمكانات فحسب ، بل بما يسكن نفوس أهلها من قيم ، وبما يتركونه في قلوب ضيوفهم من أثر لا تمحوه المسافات .
في الكويت ، يلفت انتباهك ذلك الاعتزاز الصادق بالوطن ، وبالتاريخ الذي صاغ شخصيته ، وبالهوية التي تناقلتها الأجيال باعتبارها جزءًا من الكرامة والذاكرة والوجدان . إنه انتماء لا يحتاج إلى كثير من الكلام ، لأنك تلمسه في تفاصيل الحياة اليومية ، وفي علاقة الناس بأرضهم ، وفي حرصهم على صون مكتسباتهم الوطنية والمحافظة على خصوصية مجتمعهم .
ولعل أجمل ما في هذا الاعتزاز أنه لا يتناقض مع حب الحياة ، ولا يتحول إلى انغلاق عن العالم .
فالكويت التي تتمسك بأصالتها تعرف أيضًا قيمة الثقافة والكلمة الجميلة والشعر ، وتمنح الذاكرة الأدبية مكانة خاصة في وجدانها .
وفي حضور الشعر ، تتجلى ملامح روح عربية لا تزال ترى في القصيدة مساحة للحب والتعبير ، وفي الكلمة جسرًا يصل الإنسان بوطنه وبالآخرين .
فالشعر هنا ليس ترفا ثقافيا ، بل جزء من ذاكرة المجتمع ووسيلة للاحتفاء بالجمال والهوية والحياة .
أما الضيافة الكويتية ، فكانت من أصدق ما حملته معي من هذه التجربة .
هناك كرم لا يُختزل في الموائد ، وترحيب لا تقاس قيمته بالمظاهر ، بل بما يحمله من عفوية وصدق ومودة .
أن يشعر الزائر بأنه بين اخوته و بين أهله ، وأن يجد في الوجوه والكلمات والتصرفات ما يبدد عنه غربة المكان ، فذلك هو الكرم في معناه الإنساني النبيل .
وقد اكتشفت أن بعض المواقف الصغيرة قادرة على ترك أثر أكبر من كثير من الكلمات ، لأنها تصل إلى القلب من دون استئذان .
وفي هذا كله ، تتجلى قيمة الاستقرار بوصفه أكثر من مجرد مفهوم سياسي أو اقتصادي ، إنه طمأنينة يعيشها الإنسان ، وثقة يحتاج إليها المجتمع ، وأرضية تتيح للناس أن يواصلوا حياتهم ويتمسكوا بتطلعاتهم إلى المستقبل . فالأوطان التي تحافظ على استقرارها وتصون هويتها وتعتز بمكتسباتها تمنح أبناءها شعورًا بالانتماء ، وتمنح زائريها فرصة لاكتشاف مجتمع يعرف ما يريد أن يحافظ عليه وما يتطلع إلى تحقيقه .
لقد جعلتني هذه التجربة أقف على الدبلوماسية الثقافية من زاوية أكثر قربًا إلى الإنسان .
فهي لا تُصنع في قاعات المؤتمرات وحدها ، ولا تختصرها الاتفاقيات واللقاءات الرسمية ، بل تبدأ من ابتسامة صادقة ، ومن موقف كريم ، ومن ثقافة شعب يحسن استقبال الآخرين ويعرّفهم ببلده من خلال سلوكه وقيمه .
وقد تكون ضيافة صادقة أبلغ من خطاب طويل ، وقد تكون تجربة إنسانية جميلة أقدر على بناء جسور الثقة من صفحات كثيرة تُكتب عن العلاقات بين الدول .
فالزائر حين يعود إلى وطنه ، لا يحمل معه صور الأماكن وحدها، بل يحمل أيضًا انطباعًا عن الناس، وعن طريقة عيشهم، وعن القيم التي تحكم علاقتهم بالآخر .
وهنا تتحول الزيارة إلى رسالة محبة، ويتحول الإنسان نفسه إلى سفير لصورة جميلة اكتشفها وعاش تفاصيلها ، من دون أن يكون ذلك جزءًا من مهمة رسمية أو برنامج معدّ سلفًا.
وبوصفي تونسية أعتز بانتمائي العربي ، شعرت في الكويت بأن ما يجمعنا أعمق من المسافات التي تفصل بيننا .
فبين تونس والكويت خيط من الذاكرة المشتركة ، ومن اللغة والقيم والعادات ، ومن ذلك الشعور بأننا ننتمي إلى فضاء عربي تتعدد تجاربه وخصوصياته ، لكن الإنسان يظل فيه قادرًا على التعرف إلى أخيه من خلال المحبة والاحترام والكرم. لكل بلد شخصيته ومساره ، غير أن الروابط الإنسانية الصادقة تجعل المسافات أقصر، وتمنح اللقاءات معنى يتجاوز حدود الزيارة العابرة .
غادرت الكويت، لكنني لم أغادرها بكل ما فيها .
تركت خلفي أيامًا جميلة ، وحملت معي مشاعر التقدير لشعب يعرف قيمة وطنه ، ويعتز بقيادته وهويته ، ويحب الحياة والثقافة، ويفتح قلبه لضيوفه .
وحملت امتنانًا لكل من جعل إقامتي تجربة إنسانية دافئة، ولكل موقف أعاد التأكيد أن جمال الأوطان لا يكمن في معالمها وحدها، بل في الأرواح التي تمنحها معناها .
الكويت، بالنسبة إليّ ، ليست مجرد بلد زرته ثم عدت منه ، بل حكاية محبة ستظل حاضرة في الذاكرة .
وهي دليل على أن الأوطان قد تستقبلنا بأرضها ، لكنها لا تسكننا حقًا إلا بأهلها ، وأن أجمل ما يمكن أن تمنحه لنا رحلة هو أن نعود منها بقلوب أكثر قربًا من الآخرين ، وبإيمان أعمق بأن الثقافة والكرم والاحترام قادرة على بناء جسور لا تهدمها المسافات .
هكذا تحولت زيارتي إلى الكويت من أيام عشتها في بلد عربي شقيق إلى محبة أحملها معي أينما ذهبت .
وهكذا فهمت أن الدبلوماسية الثقافية في أرقى معانيها لا تبدأ حين نصل إلى الأوطان ، بل حين تفتح لنا قلوب أهلها أبوابها ، ولا تكتمل حين نغادرها ، بل حين نكتشف أننا تركنا فيها بعض الذكريات، وأخذنا منها محبة لا تعرف طريق العودة .
