38°C تونس
11/10/2026
الحوثيون واستهداف السعودية … حين تكشف الاعتداءات عجز السلاح عن صناعة النصر .
أراء وأفكار

الحوثيون واستهداف السعودية … حين تكشف الاعتداءات عجز السلاح عن صناعة النصر .

أكتوبر 11, 2026

بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليست الاعتداءات التي تستهدف المملكة العربية السعودية مجرد أعمال عدائية عابرة ، بل هي سلوك يهدد أمن دولة ، ويستهدف استقرار منطقة بأكملها ، ويكشف عن نهج يراهن على التصعيد بدلا من البحث عن حلول تنهي المأساة اليمنية .
فحين تعجز الجماعات المسلحة عن بناء دولة ، وتلجأ إلى تهديد جيرانها بالصواريخ والطائرات المسيّرة ، فإنها لا تثبت قوتها بقدر ما تكشف عجزها عن تحويل السلاح إلى مشروع سياسي قادر على صناعة المستقبل .
إن استهداف الأراضي السعودية لن يمنح الحوثيين شرعية ، ولن يبدّل حقيقة الأزمة اليمنية ، ولن يفتح أمام الشعب اليمني أبواب الخلاص .
فالدول لا تُبنى بالصواريخ ، والشعوب لا تستعيد كرامتها بتوسيع دائرة الخوف ، والأزمات الداخلية لا تجد طريقها إلى الحل عبر تصدير العنف إلى دول الجوار .
وكل اعتداء جديد لا يقرّب اليمن من السلام، بل يضيف إلى معاناة شعبه فصلًا آخر من فصول الحرب والحرمان.
وتزداد خطورة هذه الاعتداءات حين تتجاوز حدود المملكة لتضع أمن الخليج والملاحة الدولية والتجارة العالمية أمام مخاطر متصاعدة .
فالبحر الأحمر ومضيق باب المندب ليسا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية ، ولا يجوز تحويلهما إلى أوراق ابتزاز سياسي وعسكري يدفع ثمنها المدنيون والاقتصادات والشعوب . إن المساس بأمن هذه الممرات الحيوية لا يخدم اليمن ، بل يهدد مصالح المنطقة والعالم، ويعمّق عزلة كل طرف يختار التصعيد على حساب الاستقرار .
ولا يمكن تجاهل البعد الإقليمي في هذا المشهد ، ولا سيما الدعم الإيراني للحوثيين وما يثيره من مخاوف بشأن توظيف الساحة اليمنية في صراعات النفوذ .
فعندما يصبح قرار الجماعات المسلحة مرتبطًا بحسابات خارجية ، تتراجع فرص استعادة القرار الوطني المستقل ، ويتحول اليمن من وطن يحتاج إلى إعادة البناء إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات .
والخاسر الأكبر في هذه المعادلة هو الشعب اليمني الذي طال انتظاره لدولة تحميه ، ومؤسسات تخدمه ، ومستقبل لا تتحكم فيه البنادق .
أما المملكة العربية السعودية ، فإن أمنها وسيادتها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أرضها خطوط لا تقبل المساومة .
ومن حقها المشروع، وفق القانون الدولي، اتخاذ ما يلزم لحماية أراضيها ومنشآتها وسكانها، وردع كل من يحاول الاعتداء عليها . وقد أثبتت التجارب أن حماية الأمن لا تعني الاستسلام للتهديد، كما أن الدعوة إلى السلام لا تعني التغاضي عن الاعتداءات أو التعامل معها باعتبارها أمرًا عاديا .
لكن الرسالة الأهم التي ينبغي أن يدركها الحوثيون هي أن امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة لا يصنع انتصارا مستداما ، وأن القدرة على تهديد الآخرين لا تعادل القدرة على بناء دولة .
فالقوة الحقيقية ليست في إبقاء المجتمعات تحت ضغط الحرب ، بل في توفير الأمن والخدمات وفرص العيش الكريم ، وفي امتلاك الشجاعة السياسية اللازمة لإنهاء الصراع بدلًا من إدامته .
إن مستقبل اليمن لا يمكن أن يُبنى فوق أنقاض الدولة ، ولا أن يستقيم في ظل السلاح الذي يعلو على المؤسسات ، أو القرار الذي ترتهن به البلاد لحسابات خارجية .
والطريق إلى الخلاص يبدأ بوقف الاعتداءات، واحترام سيادة الدول، وحماية المدنيين، واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية، وفتح أفق لتسوية سياسية تحفظ وحدة اليمن واستقلاله وحق شعبه في تقرير مصيره .
لقد علّمتنا تجارب المنطقة أن الحروب قد تمنح أصحابها شعورًا عابرًا بالقوة ، لكنها تترك وراءها شعوبًا مثقلة بالجراح وأجيالًا مسلوبة الأمل .
ومن هنا، فإن استهداف السعودية لن يصنع للحوثيين مجدا ، ولن يمنحهم نصرًا يغيّر حقائق التاريخ والجغرافيا .
فالمملكة قادرة على الدفاع عن أمنها وسيادتها، أما اليمن فلا يحتاج إلى مزيد من الصواريخ، بل إلى دولة تستعيد قرارها، وسلام يصون كرامة شعبها، وعلاقات جوار تقوم على الاحترام لا التهديد .
فحين تتحول الاعتداءات إلى نهج ، تصبح دليلًا على أن السلاح لم يعد وسيلة لتحقيق الأهداف ، بل صار عبئًا على أصحابه وعلى الشعوب التي يدّعون الدفاع عنها .
وتلك هي الحقيقة التي لا تستطيع الصواريخ أن تحجبها : لا نصر في تهديد الجيران ، ولا مستقبل لوطن يُختزل في بندقية ، ولا سلام دائمًا من دون دولة ذات سيادة تحترم أمن جيرانها وتحفظ كرامة شعبها .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *