بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
تعيش إيران واحدة من أدقّ مراحلها السياسية منذ قيام الجمهورية الإسلامية، حيث تتقاطع أزمات الداخل مع ضغوط الإقليم وتحولات النظام الدولي ، بينما تتقدّم مسألة خلافة المرشد الأعلى علي خامنئي إلى صدارة اهتمامات النخبة الحاكمة .
إنها لحظة تتجاوز الحسابات الظرفية ، وتلامس جوهر استمرارية النظام وقدرته على التكيّف مع واقع متغيّر.
في هذا السياق، يقدّم المحلل السياسي الإيراني حمزة صفوي ، المنحدر من عائلة ذات ثقل عسكري وسياسي في طهران ، قراءة لافتة في حوار مع صحيفة ” لوموند ” الفرنسية بتاريخ 10 يناير ، حيث استبعد احتمال تنفيذ عملية أمريكية مباشرة تستهدف المرشد الأعلى، واصفًا هذا السيناريو بـ ” قليل الاحتمال ” .
غير أن الأهم في حديثه لم يكن البعد الأمني فحسب ، بل الإشارة الواضحة إلى أن جزءا معتبرا من النخبة الإيرانية بات يدرس بجدية سيناريوهات الخلافة ، ليس فقط كاستحقاق دستوري ، بل كفرصة لإعادة توجيه السياسة الوطنية نحو مسار أكثر براغماتية ومرونة.
يؤكد صفوي أن النقاشات الدائرة داخل دوائر القرار لا تستبعد بروز شخصية قادرة على إحداث تحولات محسوبة داخل النظام ، على غرار ما فعله ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في سياقه الخاص ، أي إدخال إصلاحات مدروسة مع الحفاظ على تماسك الدولة واستقرارها ، بعيدا عن منطق الانهيار المفاجئ أو التشدد العقائدي . ويرى أن القائد المقبل قد يتبنى نهجا أكثر براغماتية ، وربما أقل تصادمية مع الغرب ، من دون المساس بالبنية العميقة للسلطة أو ركائز النظام.
في المقابل، تعكس الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال الفترة الأخيرة حالة تراكم معقّدة لعوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية .
فالتدهور الاقتصادي، الذي تفاقم بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي سنة 2018، أسهم في خلق حالة سخط شعبي واسعة ، لكنه لا يفسّر وحده حدة الغضب في الشارع.
إذ تتداخل المطالب الاقتصادية مع دعوات إطلاق سراح السجناء السياسيين، ومكافحة الفساد ، والاحتجاج على القيود الاجتماعية ، في ظل استمرار العقوبات الدولية التي عمّقت الإحساس بالاختناق. يلاحظ صفوي أن أي مجتمع يتعرض لضغوط مماثلة لا بد أن يشهد احتجاجات ، حتى في أكثر الأنظمة ديمقراطية ، مضيفا أن انزلاق بعض التظاهرات نحو العنف يقابَل غالبًا بردّ أمني قاس ، ما يفتح حلقة مفرغة من التصعيد والانتهاكات ، ويزيد من منسوب الاحتقان الاجتماعي بدل احتوائه.
على الصعيد الدولي، يرى المحلل الإيراني أن إيران لم تعد أولوية قصوى في الحسابات الأمريكية الراهنة ، إذ تركّز واشنطن اهتمامها أكثر على أمريكا الجنوبية وملفات دولية أخرى، معتبرة أن التهديد الإيراني، رغم خطورته، يبقى مضبوط الإيقاع .
يذهب صفوي إلى حد القول إن بقاء إيران ” ضعيفة ولكن متماسكة ” قد يخدم المصالح الأمريكية أكثر من انهيار كامل للجمهورية الإسلامية ، وهو سيناريو قد يفتح أبواب فوضى إقليمية يصعب التحكم في مآلاتها.
وسط هذا المشهد المركّب ، تبقى مسألة الخلافة هي العقدة المركزية.
فالمرشد الأعلى لا يمثّل مجرد منصب سياسي، بل يشكّل حجر الزاوية في توازنات النظام .
وأي تغيير في هذا الموقع ستكون له انعكاسات عميقة على السياسة الداخلية والخارجية معا.
يشير صفوي إلى أن سيناريوهات الخلافة تُناقَش ” نظريًا على الأقل ” داخل بعض دوائر الحكم ، مع التأكيد على أن أي تحوّل محتمل سيعتمد على معطيات أمنية دقيقة ، لا على مفاجآت دراماتيكية ، كما حدث في تجارب دول أخرى مثل فنزويلا.
كما يلفت المحلل الانتباه إلى أن إيران ليست دولة هشة بالمعنى الذي يروَّج له أحيانًا في الخطاب الغربي .
فهناك قاعدة اجتماعية لا تزال موالية للنظام ، إلى جانب فئة واسعة غاضبة ومحتجّة ، لكنها في الوقت ذاته حريصة على وحدة البلاد وتخشى سيناريو الفوضى .
هذا التوازن الهش يجعل أي تغيير جذري مباشر محفوفا بالمخاطر، ويفرض على صانعي القرار مقاربة حذرة لأي تحول محتمل .
تكشف تصريحات حمزة صفوي عن وعي داخلي متزايد بمحدودية الخيارات، وعن إدراك عميق لضرورة الموازنة بين الحفاظ على استقرار النظام والاستجابة للضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتصاعدة ، في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد .
يبقى السؤال مفتوحا : هل تنجح القيادة الإيرانية في إدارة استحقاق الخلافة بوصفه فرصة للإصلاح المحسوب لا مصدرا للانقسام ؟ وهل يسلك النظام مسارا براغماتيا يوفّق بين مصالح السلطة وتطلعات المجتمع ؟ أم أن تراكم الأزمات الداخلية والخارجية سيفرض مسارات أكثر تعقيدا، يصعب التكهن بنتائجها المستقبلية ؟ .

