38°C تونس
10/09/2026
الإمارات : حين تهزم الحقيقة كل الخطابات .
أراء وأفكار

الإمارات : حين تهزم الحقيقة كل الخطابات .

سبتمبر 10, 2026

بقلم – ابوبكر الصغير .

كان وقع التسجيل الصوتي لعبد الرحمن يوسف القرضاوي أشبه بفعل الصدمة لدى البعض … صدمة كبيرة إلى حدّ الاحباط .
لم تكن الصدمة في مضمون الكلمات وحدها ، وإنما في الجهة التي صدرت عنها ، وفي اللحظة التي اختارت فيها أن تقول كلّ الحقيقة كما عاشتها ، لا كما يريدها الخصوم أن تُروى .
فبعد العفو عنه ، خرج القرضاوي الابن بتسجيل صوتي وجّه فيه عبارات شكر صريحة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، الذي تدخل لفائدته ، و الاهم انه وجّه شكره إلى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، مشيدا بحسن معاملته خلال فترة وجوده في السجن ، ومؤكدا أنه لم يتعرض لأي اعتداء لفظي أو جسدي .
لم يتوقف الأمر عند حدود الشكر الشخصي ، بل ذهب أبعد من ذلك حين دعا حكام العالم إلى الاقتداء بالشيخ محمد بن زايد في طريقة تعاملهم مع خصومهم ، معتبرا أن الجميل الذي لقيه في الإمارات سيظل ” طوقا في رقبته مدى الحياة ” .
هنا بالضبط تكمن قوة هذه الشهادة .
فالرجل لم يتحدث عن دولة من موقع السائح او الزائر العادي ، ولم يكتب انطباعا عابرا ، ولم ينقل حكاية سمعها من الآخرين .
لقد تحدث بكل حرية و تلقائية ، عن تجربة شخصية عاش تفاصيلها بنفسه بالإمارات ، وعن معاملة قال إنها لم تتضمن إهانة ولا اعتداء ولا انتقاما .
ولذلك كان وقع كلماته ثقيلا ، مؤلما على كثيرين .
فحين تأتي الشهادة من شخص كان يمكن أن يكون خصمًا او عدوا ، فإنها تصبح أكثر إيلامًا لمن بنوا مواقفهم على الكراهية و الحسد و البغض و الصور النمطية الجاهزة .
وحين تأتي الإشادة من داخل التجربة نفسها ، يصبح من الصعب تكذيبها او إسكاتها بالشعارات أو دفنها تحت ضجيج الحملات السياسية المغرضة و المعدة مسبقا في الغرف المظلمة .
لقد بدا واضحا أن هذه الكلمات أحدثت حالة من السقوط و الارتباك في صفوف تنظيمات الإسلام السياسي تحديدا الاخوان ، وفي أوساط من اعتادوا النظر إلى دولة مثل الإمارات من زاوية واحدة لا ترى فيها إلا الخصومة والعداء .
لكن الحقيقة لا تحتاج إلى إذن من أحد .
والتجارب الإنسانية لا تخضع دائمًا للحسابات السياسية المسبقة .
قد يختلف الإنسان مع دولة ، وقد يعارض نظاما ، وقد يحمل موقفا سياسيا من قيادة أو سياسة أو قرار ، لكن ذلك كله لا يمنحه الحق في إنكار تجربة عاشها شخص آخر ، ولا في مصادرة شهادة قال صاحبها إنها خرجت من قلب تجربته .
الأكثر دلالة في هذه القصة أن القرضاوي الابن لم يكتفِ بالقول إنه لم يتعرض للأذى ، بل تحدث عن المعاملة الإنسانية التي وجدها، وترك جملة شديدة الدلالة : ” أن هذا الجميل ( من الإمارات ) سيظل في عنقه مدى الحياة ” .
وهنا تتحول القصة من مجرد تسجيل صوتي إلى سؤال أخلاقي أكبر : هل تستطيع الخصومة السياسية أن تمحو أثر المعاملة الإنسانية ؟.
وهل يمكن للكراهية أن تصمد أمام شهادة صادقة من قبل شخص عاش التجربة بنفسه ؟.
ربما كانت الصدمة الحقيقية أن الرجل قال ما لم يكن متوقعا منه أن يقوله .
وفي عالم عربي امتلأ بالانقسامات ، وبخطابات التخوين والانتقام والبغض و التشفي ، تبدو قيمة هذه الكلمات أكبر من مجرد موقف عابر . إنها تذكير بأن قوة الدول لا تقاس فقط بما تملك من اقتصاد وسلاح ونفوذ ، وإنما أيضا بالطريقة التي تتعامل بها مع من يختلف معها .
قد يختلف الناس حول السياسة ، لكنهم لا يختلفون طويلا حول الكرامة الإنسانية .
ولهذا فإن أكثر ما أوجع خصوم الإمارات و اعداءها ، ليس مجرد الشكر ، بل أن تأتي شهادة من كان يمكن أن يكون صوتا للخصومة ، فإذا به يتحول ، من حيث لا يريد البعض ، إلى شاهد على أن المعاملة الإنسانية قادرة أحيانا على إسقاط جدار كامل من الأحكام المسبقة .
إنها لحظة تقول ببساطة : حين تتكلم التجربة و تنطق الحقيقة … تصمت الدعاية و ينتهي الكذب .
وحين يتحدث الإنسان عما عاشه بنفسه ، يصبح من الصعب على الآخرين أن يتحدثوا نيابة عنه .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *