الحوثي .. حين يصبح اليمني أول ضحايا المغامرة .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
لم يعد التصعيد الحوثي مجرد فصل جديد في حرب اليمن التي طال أمدها ، بل أصبح مغامرة مفتوحة يدفع اليمنيون ثمنها قبل غيرهم .
فبلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام والفقر لا يحتاج إلى مزيد من الجبهات ، ولا إلى تحويل أرضه ومياهه إلى ساحات لمواجهات إقليمية ، وإنما يحتاج إلى فرصة حقيقية ليستعيد دولته ويعيد بناء مؤسساته ويفتح لأبنائه بابا نحو المستقبل .
ومنذ مشاورات الكويت عام 2016 ، مرورًا بالمبادرة السعودية للسلام عام 2021، وصولًا إلى هدنة 2022 والجهود السعودية والعُمانية، ظلت فرص التهدئة تصطدم بحسابات جماعة يبدو أنها لم تنظر دائما إلى الهدوء باعتباره طريقًا لإنهاء الحرب ، بقدر ما تعاملت معه كفرصة لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز نفوذها .
ثم جاء التصعيد في البحر الأحمر ، وتلاه استهداف المدن والمنشآت السعودية ، لتتسع دائرة المواجهة من جديد ، وكأن اليمن لم يدفع بعد ما يكفي من أثمان الحرب .
لكن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو : من يدفع الثمن في النهاية ؟.
إنه المواطن اليمني المغلوب على امره قبل غيره .
فكل صاروخ يُطلق ، وكل مواجهة تتسع، وكل تهديد للملاحة أو أمن الجوار، ينعكس على حياة ملايين اليمنيين : اقتصاد أكثر إنهاكا ، أسعار أكثر ارتفاعا ، خدمات أكثر تراجعًا ، وفرص عمل أقل ، ومستقبل مؤجل لجيل كامل لم يعرف من وطنه إلا الخوف والحاجة والانتظار .
وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة : جماعة تقول إنها تدافع عن اليمن ، لكنها تساهم ، بسياساتها ومغامراتها العسكرية ، في إطالة الظروف التي تحول دون نهوض اليمن .
وحين تتحول البلاد إلى منصة للهجمات وتهديد الملاحة وأمن دول الجوار ، يصبح المواطن اليمني عالقًا بين نار الحرب الداخلية وتداعيات صراع إقليمي لا يملك قرار إشعاله ولا إطفائه .
وفي المقابل ، حافظت المملكة العربية السعودية على موقف حكيم و واضح يقوم على دعم استقرار اليمن ووحدته ، ومساندة مسار الحل السياسي والجهود الأممية ، إلى جانب استمرار الدعم الإنساني والتنموي للشعب اليمني .
غير أن السعي إلى السلام لا يعني التخلي عن الحق المشروع في حماية أمن المملكة وسيادتها ومواطنيها .
فالرياض تستطيع أن تمد يدها للسلام ، لكنها لن تسمح بأن تتحول هذه اليد إلى مدخل للابتزاز أو منصة لتهديد أمنها .
وهنا تحديدا ينبغي أن يدرك الحوثي أن التصعيد قد يمنحه بعض النفوذ المؤقت ، لكنه لا يصنع مستقبلا ، وأن القوة العسكرية وحدها لا تمنح شرعية دائمة ولا تبني دولة . بل إن استمرار المغامرة قد يغلق أمامه أبواب السياسة بدل أن يفتحها .
والسؤال الذي يزداد إلحاحا في الشارع اليمني ليس فقط : إلى أين تتجه المواجهة ؟ بل أيضا : ماذا جنى اليمنيون منها ؟ .
ماذا جنت البلاد من سنوات الصراع سوى مزيد من الفقر والخوف والانقسام ؟ وماذا سيجني اليمني من جولة جديدة من التصعيد سوى تأجيل آخر لحقه في حياة طبيعية ، ودولة مستقرة ، ومستقبل لا تحكمه أصوات الصواريخ ؟ .
اليمن لا يحتاج إلى حرب جديدة ، بل إلى نهاية للحرب .
لا يحتاج إلى مزيد من المغامرات ، بل إلى دولة .
ولا يحتاج إلى تحويل أراضيه إلى ساحة رسائل إقليمية، بل إلى قرار وطني يعيد مصالح اليمنيين إلى صدارة المشهد .
إن مستقبل اليمن لا يمكن أن يبنى بالصواريخ ، ولا أن تستعاد الدولة من خلال إضعافها ، ولا أن تتحقق كرامة اليمنيين بإطالة معاناتهم .
أما السعودية ، فقد أوضحت موقفها بما يكفي : السلام خيار استراتيجي ، لكن أمن المملكة وسيادتها ومواطنيها ليست أوراقا للمساومة .
وبين هذين الموقفين تقف مسؤولية الحوثي أمام التاريخ وأمام اليمنيين : إما أن يدرك أن القوة الحقيقية تبدأ من إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام التسوية، وإما أن يواصل مغامرته، فيجد نفسه لا يقود اليمن إلى المستقبل ، بل يدفع به أبعد فأبعد عن اليوم الذي يستطيع فيه اليمني أن يعيش في وطنه دون خوف .
فالضحية الأولى للمغامرة الحوثية ليست الخصم البعيد ، وإنما اليمني الذي يدفع كل يوم ثمن حرب لم يعد يحتمل استمرارها .
