38°C تونس
26/08/2026
دبي… حين يتحول الإبداع إلى قوة اقتصادية.
أراء وأفكار

دبي… حين يتحول الإبداع إلى قوة اقتصادية.

أغسطس 26, 2026

بقلم – ابوبكر الصغير .

هناك عواصم و مدن تنمو بالعمران، و عواصم و مدن تكبر بالاقتصاد ، و عواصم و مدن أخرى تنجح في أن تجعل من الاثنين لغةً واحدة للمستقبل .
دبي زينة العواصم و المدن ، تنتمي إلى هذا النوع النادر من المدن التي لم تكتفِ بأن تبني اجمل ما ابدع العقل البشري في هندسة ناطحات السحاب ، بل قررت أن تبني الإنسان والفكرة والابتكار ، وأن تجعل من الثقافة والإبداع محركان حقيقيان من محركات اقتصادها الجديد .
للسنة الرابع على التوالي ، تتصدر دبي مؤشر عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة في الصناعات الثقافية والإبداعية لعام 2025، في إنجاز يتجاوز دلالة الرقم إلى معنى أعمق بكثير : دبي لم تعد فقط وجهة عالمية للاستثمار ، وإنما أصبحت وجهة عالمية للأفكار ، وللمواهب ، وللمشاريع التي تراهن على المستقبل .
إن الاستثمار الأجنبي حين يتجه إلى الصناعات الثقافية والإبداعية لا يبحث فقط عن الأسواق ورؤوس الأموال والبنية التحتية ، بل يبحث عن بيئة قادرة على احتضان الفكرة وحمايتها وتحويلها إلى مشروع قابل للنمو فعلا .
ولذلك فإن تصدر دبي لهذا المؤشر أربع سنوات متتالية ليس مصادفة ، ولا نتيجة ظرف عابر ، بل هو انعكاس لمنظومة متكاملة صنعتها رؤية تعرف جيدا أن اقتصاد المستقبل لن يقوم على النفط والعقار والتجارة وحدها ، وإنما على المعرفة والابتكار والمحتوى والتصميم والفنون والإعلام والتكنولوجيا وكل ما يستطيع العقل الإنساني أن يبتكره .
هنا تكمن عبقرية التجربة الإماراتية الرائدة عالميا : أن الثقافة لم تُترك في الهامش باعتبارها ترفا ، والإبداع لم يُعامل باعتباره نشاطا موسميا ، بل جرى إدماجهما في صميم المشروع الاقتصادي والتنموي .
فأصبحت دبي مساحة يلتقي فيها المستثمر بالمبدع ، والتكنولوجيا بالثقافة ، والفكرة برأس المال ، والطموح بالفرصة .
والأهم من كل ذلك ، أن هذا النجاح يستند إلى بيئة قانونية وتنظيمية قادرة على منح المستثمر الثقة ، وإلى بنية تحتية صُممت بعقلية المستقبل ، وإلى منظومة مؤسساتية تدرك أن المنافسة العالمية اليوم لا تدور فقط حول من يملك المال ، بل حول من يستطيع أن يوفر البيئة التي تجعل المال يبحث عنه .
ومن هنا تأتي قوة التوافق بين هذا الإنجاز وأهداف أجندة دبي الاقتصادية D33 واستراتيجية الاقتصاد الإبداعي . فالمسألة ليست مجرد تصدر مؤشر دولي لعام واحد ، وإنما بناء مسار طويل الأمد يجعل دبي إحدى أهم العواصم العالمية للاقتصاد الإبداعي ، ويمنح الأفكار والمواهب والمشاريع النوعية مكاناً يليق بها في قلب التنمية .
إن دبي تقول للعالم اليوم ، من خلال هذه الأرقام ، إن المدن لا تُقاس فقط بما تبنيه من أبراج ، وإنما بما تصنعه من فرص .
ولا تُقاس فقط بحجم تجارتها ، وإنما بقدرتها على جذب العقول . ولا تُقاس فقط بعدد الشركات التي تستقر فيها ، وإنما بعدد الأحلام التي تجد فيها طريقها إلى الواقع .
لقد أدركت القيادة الإماراتية مبكرا أن المستقبل لا ينتظر من يراقبه ، بل يذهب إلى من يصنعه .
ولذلك لم يكن غريبا أن تتحول دبي إلى مختبر عالمي مفتوح للأفكار الجديدة ، وإلى منصة يلتقي فيها المبدعون من مختلف أنحاء العالم ، وإلى مدينة تمنح الاستثمار معنى يتجاوز الربح المباشر نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة وقدرة على المنافسة .
وحين تتصدر دبي العالم للعام الرابع على التوالي في عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة في الصناعات الثقافية والإبداعية ، فإن الرسالة الأهم ليست أن دبي ربحت سباقا جديدا ، بل أنها غيّرت قواعد السباق نفسه .
لقد أصبح الإبداع في دبي صناعة ، والثقافة اقتصادا ، والفكرة استثمارا ، والمستقبل مشروعا قائما اليوم .
وهكذا تمضي مدينة دبي … لا تنتظر أن يأتي المستقبل إليها ، بل تصنع له المكان ، وتفتح له الأبواب ، وتدع العالم كله يشارك في كتابته .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *