38°C تونس
24/08/2026
أحلام على قوارب الموت .. وطنٌ يفقد أبناءه في البحر .
الافتتاحية

أحلام على قوارب الموت .. وطنٌ يفقد أبناءه في البحر .

أغسطس 24, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لم تعد ظاهرة ” الحرقة ” في تونس حادثة معزولة ، ولا حكاية تخص شباب منطقة أو مدينة بعينها .
لقد تحولت الهجرة غير النظامية إلى ظاهرة تتمدد في مختلف جهات البلاد ، حتى أصبح البحر ، بالنسبة إلى بعض شبابنا ، أقرب إلى بوابة للخلاص منه إلى طريق يقود إلى الموت .
يخرج الشاب بحقيبة صغيرة وأحلام كبيرة، ويصعد إلى قارب هش لا يملك مقومات النجاة ، مدفوعا بحلم الوصول إلى الضفة الأخرى ، حيث يتخيل فرصة عمل وحياة أكثر استقرارا وكرامة .
لكن البحر لا يعرف الأمنيات . في لحظة واحدة قد ينقلب القارب ، فتغرق الأحلام معه ، وتبدأ مأساة أخرى على الشاطئ : أم تنتظر خبرا، وأب يبحث عن أثر، وعائلة تتشبث بخيط من الأمل، ثم قلب ينكسر حين يصل الخبر الذي لم تكن تريد سماعه.
وراء كل قارب قصة إنسان.
شاب عاشق للحياة ، لم يولد راغبا في الموت ، بل راغبا في العيش .
لم يركب البحر بحثا عن قبر، وإنما بحثا عن مستقبل.
وهذا تحديدا ما يجعل ” الحرقة ” أكبر من مجرد ملف أمني أو قضية هجرة ، إنها مرآة لواقع اجتماعي واقتصادي ونفسي عميق ، تضعنا أمام السؤال الأخطر و الأصعب : لماذا أصبح الموت في البحر، بالنسبة إلى بعض شبابنا، أقل رعبا من البقاء على اليابسة؟ .
من السهل أن نقول للشاب : لا تركب قارب الموت ، ابحث عن عمل ، اصبر ، واسلك الطرق القانونية .
وهذا صحيح . فالهجرة النظامية تظل الطريق الآمن والمشروع، والحياة لا ينبغي أن توضع رهينة لقرار قد تكون نهايته الغرق.
لكن المسؤولية لا تنتهي عند الفرد.
ماذا فعلنا حتى وصل شاب تونسي إلى اللحظة التي يصبح فيها قارب متهالك، وسط بحر لا يرحم، أكثر إغراء من واقعه؟.
ماذا عن شاب أنهى دراسته ولم يجد فرصة؟ وآخر يحمل شهادة ولا يجد مكانا في سوق الشغل؟ .
وثالث يقضي سنوات في الانتظار ، بينما يرى يوميا على شاشاته حياة أخرى تبدو أكثر رخاء واستقرارا وكرامة؟ .
هنا تبدأ مسؤولية الدولة والمجتمع .
ليست مسؤولية الدولة أن تمنع الشباب من الحلم، بل أن تجعل الحلم ممكنا داخل الوطن، أن تفتح أبواب العمل والمبادرة ، وأن تمنح الشباب شعورا بأن المستقبل ليس مغلقا أمامهم .
فحين تضيق آفاق الحياة ، يصبح اليأس أرضا خصبة للهجرة غير النظامية، وتتحول شبكات التهريب إلى ” تجار أحلام ” ، يبيعون الوهم لمن فقدوا الثقة في الغد، ويحوّلون حاجة الشباب إلى فرصة للثراء على حساب أرواحهم.
لكن تحميل الدولة وحدها مسؤولية كل مأساة ليس حلا أيضا.
فهناك مسؤولية فردية لا يمكن إلغاؤها. من يركب قاربا يعرف هشاشته وخطره، يتخذ قرارا بالغ الخطورة. غير أن التعاطف مع الضحية لا يعني إعفاء القرار من المسؤولية ، كما أن نقد القرار لا يعني التشفي من صاحبه أو تحميله وحده وزر مأساة أكبر منه.
المطلوب إذن ليس محاكمة الموتى ، بل فهم و استيعاب أسباب موتهم.
علينا أن ننظر إلى ” الحرقة ” باعتبارها إنذارا اجتماعيا قبل أن تكون أزمة هجرة .
فعندما يصبح البحر خيارا متكررا لشباب من جهات مختلفة ، فإننا لا نكون أمام رغبة فردية في الهجرة فحسب ، بل أمام علامة على خلل أعمق يحتاج إلى معالجة حقيقية : في الاقتصاد ، والتشغيل ، والتعليم ، والعدالة الاجتماعية ، وعلاقة الشباب بمؤسسات الدولة ، وفي قدرتهم على رؤية مستقبلهم داخل وطنهم .
والأخطر أن الموت في البحر لا ينتهي عند الغريق .
هناك أمهات يعشن بقية أعمارهن على سؤال بلا جواب، وآباء يبحثون عن أثر، وعائلات تتحول أفراحها إلى انتظار ، وأطفال يكبرون وهم يسألون عن أب ابتلعه البحر .
لذلك فإن كل قارب يغادر الشاطئ لا يحمل شابا واحدا فقط ، بل يحمل وراءه مأساة أسرة كاملة، وجرحا جديدا في جسد مجتمع بأسره.
لسنا مطالبين بالاختيار بين الدولة والشاب، ولا بين تحميل المسؤولية لهذا أو ذاك . المطلوب أن توضع المسؤوليات في أماكنها الصحيحة : الدولة مسؤولة عن توفير شروط الحياة الكريمة، والفرد مسؤول عن حماية حياته وعدم تسليمها لقارب الموت ، والمجتمع مسؤول عن ألا يعتاد رؤية المأساة حتى تتحول إلى خبر عابر في نشرات الأخبار.
رحم الله شبابنا الذين ابتلعهم البحر ، وربط على قلوب أمهاتهم وعائلاتهم .
لكن لعل أفضل وفاء لهم ألا نكتفي بالبكاء عليهم ، بل أن نمتلك شجاعة طرح السؤال الذي يؤلم أكثر من كل الأرقام : كيف وصلنا إلى زمن يغامر فيه شبابنا بحياتهم لأنهم لم يعودوا يرون في وطنهم ما يكفي من الأمل؟
ذلك هو السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحا، لا في وجه الشباب وحدهم، بل في وجه الدولة والمجتمع معا.
فالحرقة ليست فقط شبابا يعبرون البحر …
إنها أيضا قلوب أمهات تحترق على الضفة التي تركوها وراءهم .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *