من الرياض إلى باريس .. السعودية تعيد رسم خريطة الألعاب والرياضات الإلكترونية .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تعد الألعاب الإلكترونية في السعودية مجرد وسيلة للترفيه أو هواية تستقطب ملايين الشباب ، بل تحولت إلى صناعة استراتيجية تتقاطع فيها التكنولوجيا والاقتصاد والثقافة والاستثمار ، وتراهن عليها المملكة كأحد مسارات المستقبل وتنويع الاقتصاد وتعزيز حضورها العالمي .
من الرياض إلى باريس ، تتضح ملامح هذا التحول مع الحضور السعودي اللافت في كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026 ، والإشراف المرتقب من سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، مساء اليوم الأحد، على الحفل الختامي للبطولة في العاصمة الفرنسية .
لا يحمل هذا الحضور دلالة رياضية فحسب ، بل يعكس اهتماما سياسيا واقتصاديًا بقطاع بات جزءا من مشروع أوسع لإعادة صياغة علاقة السعودية بالتكنولوجيا والشباب والاقتصاد الإبداعي .
فالألعاب الإلكترونية لم تعد صناعة هامشية . إنها منظومة عالمية ضخمة تجمع البرمجيات والذكاء الاصطناعي والتصميم والإنتاج الإعلامي والتسويق والاستثمار، فيما تحولت الرياضات الإلكترونية إلى صناعة متكاملة للبطولات والنجوم والجماهير والمحتوى .
من هنا جاءت الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية التي أطلقها سمو ولي العهد عام 2022 ، لتضع هذا القطاع في قلب مستهدفات ” رؤية السعودية 2030 ” ، ليس بهدف بناء صناعة محلية فحسب، وإنما لتحويل المملكة إلى مركز عالمي تنافسي ومستدام في هذا المجال .
تكشف المستهدفات عن حجم الطموح ، إذ تتطلع الاستراتيجية إلى توفير نحو 39 ألف وظيفة والمساهمة بما يصل إلى 50 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، إلى جانب دعم الشركات الناشئة واستقطاب الاستثمارات العالمية .
لكن الرهان السعودي يتجاوز الأرقام . فالألعاب أصبحت إحدى لغات الجيل الجديد ، ومنصة لتطوير مهارات التفكير الاستراتيجي والعمل الجماعي وحل المشكلات ، فضلًا عن كونها صناعة محتوى تمتد إلى البث المباشر والإنتاج الإعلامي والإعلان والموسيقى والتصميم والتقنيات التفاعلية .
هنا تتقاطع الرياضات الإلكترونية مع فلسفة رؤية 2030، التي لا تكتفي بتنويع مصادر الدخل، بل تراهن على الإنسان والمعرفة والابتكار.
فالشاب الذي كان يُنظر إليه بوصفه مستهلكا للألعاب يمكن أن يتحول إلى مطور أو مبرمج أو مصمم أو لاعب محترف أو صانع محتوى أو مؤسس شركة ناشئة .
تكتسب بطولة 2026 أهمية خاصة باعتبارها امتدادا لمسار بدأته السعودية باستضافة النسخة الأولى من كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض عام 2024، قبل أن تتواصل التجربة في 2025 وتصل إلى باريس في 2026 .
وهنا تتجاوز القصة تنظيم بطولة عالمية إلى بناء نموذج سعودي في صناعة الأحداث الكبرى .
فالانتقال من الرياض إلى باريس يحمل رسالة واضحة : المملكة لا تريد أن تكتفي باستضافة العالم ، بل تسعى إلى إنتاج مشاريع وعلامات قادرة على الوصول إلى العالم .
كما يمنح هذا القطاع السعودية أداة جديدة من أدوات القوة الناعمة .
فالألعاب، مثل الرياضة والسينما والموسيقى ، أصبحت لغة عابرة للحدود قادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة وبناء جسور التفاعل الثقافي والاقتصادي .
وعندما تجذب المملكة اللاعبين والجماهير والشركات والمستثمرين ، فهي لا تستضيف منافسة فحسب ، بل تبني شبكة عالمية من العلاقات والفرص .
إن ما يحدث في قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية يعكس تحولا أعمق في الاقتصاد السعودي : الانتقال من اقتصاد تقوده القطاعات التقليدية إلى اقتصاد تتزايد فيه قيمة المعرفة والتقنية والإبداع .
ولهذا فإن دعم سمو ولي العهد لهذا القطاع لا يمكن اختزاله في رعاية رياضة جديدة ، بل يمثل رهانًا على صناعة المستقبل، وعلى جيل يمتلك أدوات مختلفة لإنتاج القيمة وصناعة الفرص .
ومن الرياض إلى باريس ، تتبلور قصة نجاح سعودية جديدة : بلد لا يريد أن يكون مستهلكا للتكنولوجيا والألعاب ، بل شريكًا في صناعتها ، ولا يريد فقط أن يستضيف الأحداث العالمية، بل أن يكون حاضرا في صياغة ملامحها ومستقبلها .
وهنا يكمن جوهر رؤية 2030 : تحويل التحولات العالمية إلى فرص ، ومجالات الاستهلاك إلى صناعات ، والجمهور إلى مواهب ، والفكرة السعودية إلى مشروع عالمي .

