ٍبقلم : أبوبكر الصغير .
ليست كل الدول مهما عظمت قادرة على بناء الجسور بين البشر ، وليست كل الدول التي تحقق الازدهار الاقتصادي تنجح في أن تصبح وطنا للإنسانية بكل تنوعها .
لكن دولة الإمارات العربية المتحدة استطاعت أن تحقق المعادلتين معا ، فبنت دولة حديثة ومتقدمة ، وفي الوقت نفسه شيدت نموذجا إنسانيا فريدا قوامه التسامح والانفتاح واحترام الإنسان أيّا كان دينه أو عرقه أو جنسيته .
إن اختيار أبوظبي لاستضافة الجمعية العالمية الحادية عشرة لمنظمة ” أديان من أجل السلام ” عام 2027 ، للمرة الأولى في منطقة الخليج العربي ، ليس حدثا بروتوكوليا عابرا ، ولا مجرد تتويج دبلوماسي جديد يضاف إلى سجل الإنجازات الإماراتية ، بل هو اعتراف دولي صريح بأن الإمارات أصبحت عاصمة عالمية للحوار والتعايش و نشر قيم الاعتدال و التسامح و صناعة السلام .
فمثل هذه المنظمات الدولية الكبرى لا تبحث فقط عن المدن الجميلة أو الإمكانات اللوجستية المتطورة ، بل تبحث قبل كل شيء عن بيئة إنسانية تؤمن بالتعددية ، وعن قيادة تمتلك رؤية للسلام تتجاوز الشعارات إلى الممارسة اليومية . وهذا بالضبط ما وجدته الإنسانية في الإمارات .
لقد نجحت القيادة الإماراتية الحكيمة ، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في ترسيخ فلسفة سياسية وإنسانية عميقة ، تقوم على أن قوة الدول لا تقاس فقط بقدراتها الاقتصادية والعسكرية ، بل أيضا بقدرتها على نشر السلام وبناء الثقة بين الشعوب والأديان والثقافات المختلفة .
ومن هنا أصبحت الإمارات نموذجا عالميا للدبلوماسية الإنسانية والوقائية ، وجعلت من الأخوة الإنسانية والتسامح ركائز ثابتة في سياستها الداخلية والخارجية .
ولعل أجمل ما في التجربة الإماراتية أن قيم التسامح فيها ليست نصوصا مكتوبة في الوثائق الرسمية ، وإنما سلوك يومي يعيشه الناس هناك .
وقد رأى العالم بأسره ذلك خلال فترات التوتر والحروب التي شهدتها المنطقة ، حين وجد ملايين الأجانب والزوار والمقيمين في الإمارات بلدا يحتضنهم ويطمئنهم .
رأينا الإماراتيين يفتحون قلوبهم قبل بيوتهم، ويقدمون الدعم والمساندة لكل من شعر بالخوف أو القلق ، دون سؤال عن الدين أو الجنسية أو الانتماء او حتى وضعيته القانونية في البلاد .
ذلك لأن الشعب الإماراتي بطبيعته شعب طيب وكريم ومتسامح ، تربى على ثقافة الضيافة وإكرام الإنسان واحترام الآخر . وقد نجحت القيادة في الحفاظ على هذه القيم الأصيلة وتعزيزها حتى أصبحت جزءا من الهوية الوطنية الإماراتية ، بل وعلامة فارقة تميز الإمارات في عالم يمزقه الاستقطاب والكراهية والصراعات .
إن استضافة العاصمة أبوظبي لأكبر تجمع ديني متعدد الأديان في العالم ليست مجرد تكريم للإمارات ، بل هي رسالة أمل إلى المنطقة والعالم ، مفادها أن الشرق الأوسط ليس محكوما بالصراعات وحدها ، وأن بإمكان دولة عربية أن تصبح منارة للحوار والتعايش وصناعة السلام .
لقد أدركت الإمارات مبكرا أن الاستثمار الحقيقي ليس فقط في الحجر والعمران ، بل في الإنسان وفي بناء ثقافة الاحترام المتبادل . ولذلك استحقت أبوظبي أن تكون ملتقى للأديان والثقافات ، وأن تحظى بثقة المجتمع الدولي ، وأن تتحول إلى عنوان عالمي للتسامح .
وفي زمن تتزايد فيه خطابات الكراهية والانقسام ، تبدو التجربة الإماراتية درسا بليغا للعالم كله : فالدول العظيمة ليست تلك التي تفرض نفسها بالقوة ، وإنما تلك التي تكسب قلوب الناس بقيمها الإنسانية .
والإمارات اليوم لا تستضيف مؤتمرا عالميا فحسب ، بل تستضيف قيما إنسانية عظيمة و فكرة نبيلة تقول إن السلام ممكن ، وإن التعايش ممكن ، وإن الإنسانية قادرة دائما على الانتصار



