النفط ينتصر على الحصار .. هرمز يبقى مفتوحًا رغم التصعيد الإيراني .
عواصم – عرب21 : أ – حذامي محجوب .
رغم تصاعد الهجمات الإيرانية على السفن ، وتشديد الإجراءات العسكرية الأمريكية ، واستمرار التوترات بين أطراف النزاع ، يواصل النفط عبور مضيق هرمز بمستويات تفوق توقعات كثير من المراقبين .
تشير بيانات شركة ” كبلر ” إلى أن نحو 6 ملايين برميل من النفط تعبر المضيق يوميًا في المتوسط خلال الأسابيع الأخيرة ، في مؤشر على قدرة تجارة الطاقة العالمية على التكيف مع المخاطر الأمنية ، والبحث عن مسارات ووسائل نقل تقلل من تداعيات التهديدات المتصاعدة .
ومع ذلك ، تبقى هذه الكميات بعيدة عن مستويات ما قبل الحرب ، حين كان نحو 20 مليون برميل يوميًا يمر عبر المضيق .
لكنها في المقابل تمثل ارتفاعا واضحا مقارنة بالأشهر الثلاثة الأولى من النزاع، عندما تراوحت الكميات الخارجة من المضيق ، باستثناء النفط الإيراني ، بين 200 ألف وثلاثة ملايين برميل يوميًا .
يرى هومايون فلاخشاهي، محلل النفط في ” كبلر ” ، أن استمرار هذه التدفقات يحمل دلالة مهمة ، خصوصًا في ظل تعثر المفاوضات ، وإعادة إغلاق المضيق قبل نحو شهر ، واستمرار الهجمات على السفن. فالملاحة النفطية لم تتوقف ، رغم أن ظروفها باتت أكثر تعقيدًا وخطورة .
أحد أبرز أسباب استمرار تدفق النفط يرتبط بظهور آليات نقل غير تقليدية ، من بينها نظام مكوكي سري يُنسب إلى شركة ” أدنوك ” الإماراتية.
وبحسب المعلومات المتداولة، يجري تحميل النفط في سفن أصغر داخل محطات في الخليج العربي ، قبل أن تتحرك ليلًا باتجاه خليج عُمان ، مع تعطيل أجهزة التتبع والإرسال ، في محاولة لتقليل فرص رصدها من جانب الحرس الثوري الإيراني .
وبعد عبورها منطقة المضيق ووصولها إلى الجانب الآخر ، تُفرغ حمولاتها في ناقلات أكبر تتولى نقل النفط إلى وجهاته النهائية، ولا سيما في الأسواق الآسيوية والأوروبية .
ووفق معلومات أوردتها ” بلومبرغ “؟، لم يقتصر هذا الأسلوب على النفط والمنتجات النفطية الإماراتية ، بل شمل أيضًا كميات من إنتاج دول أخرى في المنطقة، من بينها العراق .
ويقدّر غريغوري برو، المحلل في مجموعة ” أوراسيا ” ، أن ما بين مليوني وثلاثة ملايين برميل يوميًا تصل إلى خليج عُمان من دون أن يكون مصدرها محددًا بصورة واضحة ، فيما تشير مطابقة البيانات إلى أن جزءًا مهمًا من هذه الكميات قد يكون مرتبطًا بعمليات النقل المكوكية الإماراتية .
غير أن استمرار تدفق النفط لا يعني أن الملاحة عبر هرمز أصبحت آمنة .
فالعمليات البحرية تجري في ظروف بالغة الحساسية ، مع محاولة السفن الالتزام بمسارات أقرب إلى السواحل العُمانية والابتعاد قدر الإمكان عن السواحل الإيرانية ، لتقليل مخاطر الاستهداف .
كما تتم بعض هذه العمليات بالتنسيق مع الولايات المتحدة ، إلا أن الحماية الأمريكية لا توفر ضمانات كاملة للسفن وأطقمها .
وقد تجلّى حجم المخاطر مجددًا خلال عطلة نهاية الأسبوع، عندما تعرضت ثلاث سفن مرتبطة بشركة ” أدنوك ” للاستهداف خلال 24 ساعة في منطقة المضيق .
واتهمت الإمارات الحرس الثوري الإيراني بارتكاب عمل من أعمال القرصنة ، معتبرة أن الهجمات تمثل تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة واستقرارها ، فضلًا عن تهديدها لأمن الطاقة العالمي .
وتأتي هذه التطورات رغم الضربات الأمريكية التي نُفذت في يوليو ، والتي هدفت إلى الحد من قدرة إيران على تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز .
بالنسبة إلى الولايات المتحدة ، يمثل استمرار تدفق النفط عبر المضيق مؤشرًا على نجاح عملياتها العسكرية في الحد من قدرة إيران على تعطيل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم .
لكن تجدد الهجمات على السفن المرتبطة بأدنوك يعيد طرح السؤال حول مدى قدرة تلك العمليات على توفير بيئة بحرية أكثر أمنًا.
يقول أران كينيدي، المحلل في فريق الأمن البحري لدى ” كونترول ريسكس ” ، إن وضع الملاحة لم يتغير جوهريا، وإن السفن التي تعبر المضيق لا تزال تتحرك في ظروف ” بالغة الخطورة .
فعسكريا، لا تحتاج إيران بالضرورة إلى إغلاق مضيق هرمز بالكامل حتى تحقق أهدافًا استراتيجية .
فبحسب تقييمات لمعهد دراسة الحرب، يمكن لعمليات محدودة ومتقطعة أن تكون كافية لإرباك حركة الملاحة الدولية ، ورفع كلفة التأمين والنقل، ودفع بعض شركات الشحن إلى إعادة النظر في استخدام المضيق .
تشير كارولين مورمان، المحللة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، إلى أن طهران تدرك أن عددًا محدودًا من الضربات المتباعدة قد يكون كافيًا لإرباك الأسواق وردع بعض السفن عن العبور .
وبذلك، فإن المعركة حول مضيق هرمز لم تعد مجرد معركة بين خيارين: إغلاق المضيق أو إبقاؤه مفتوحًا.
ُ بل تحولت إلى صراع على كلفة العبور و مخاطره ، وعلى قدرة إيران على جعل الطريق البحري أكثر خطورة ، مقابل قدرة شركات النفط والدول المستوردة على ابتكار وسائل ومسارات تحافظ على تدفق الطاقة.
وبينما يواصل نحو 6 ملايين برميل يوميًا عبور واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم، تكشف التطورات أن سوق النفط أثبت حتى الآن قدرة لافتة على التكيف مع الأزمة .
لكن هذا التكيف له ثمنه : عمليات نقل أكثر تعقيدًا، مخاطر أمنية أعلى، تكاليف إضافية، ومسارات بحرية تعمل في بيئة لا تزال شديدة الهشاشة.
وهكذا يبقى مضيق هرمز مفتوحًا بالقدر الذي يسمح باستمرار تدفق النفط، إذ لا تحتاج الحرب إلى إغلاقه بالكامل حتى تهز الأسواق، بل يكفي أن تجعل المرور عبره أكثر كلفة وخطورة .
