38°C تونس
26/10/2026
الإرهاب الحوثي والتواطؤ الإيراني في مواجهة حرمة المقدسات .
أراء وأفكار

الإرهاب الحوثي والتواطؤ الإيراني في مواجهة حرمة المقدسات .

أكتوبر 26, 2026

بقلم: أبوبكر الصغير .

ثمة حدود حين تُنتهك لا يعود الصمت حيادا ، ولا يعود التهاون مجرد خطأ في الحسابات ، بل يصبح مساسًا بما يجمع المسلمين في عقيدتهم ووجدانهم وذاكرتهم . ومكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا مجرد مدينتين على خارطة العالم الإسلامي ، إنهما قلبه الروحي، ومهوى أفئدة المؤمنين، ورمز مقدس لا يجوز أن يتحول إلى هدف للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ولا إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية.
إن مواصلة جماعة الحوثي الإرهابية محاولاتها استهداف منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة تمثل تصعيدا بالغ الخطورة، وتجاوزا لكل ما تفرضه حرمة المقدسات من مسؤولية أخلاقية ودينية .
فحين تُوجَّه الأسلحة نحو محيط أقدس بقاع الإسلام ، فإن الأمر لا يتعلق بتهديد أمن المملكة العربية السعودية وحدها ، بل باعتداء يمس مشاعر مئات الملايين من المسلمين ، ويضع الأمن الإقليمي أمام اختبار جديد لا يحتمل الاستهانة أو المساومة .
و يكبر الاعتداء الارهابي بعد إطلاق صاروخين باتجاه مكة المكرمة والمدينة المنورة ، و بفضل من الله تم اعتراضهما و سقوط شظايا في وادي المغمّس شرقي مكة .
إن خطورة الواقعة تتجاوز حدودها العسكرية المباشرة. فمجرد تعريض محيط هذه البقاع المقدسة للخطر يكشف مدى الاستهتار بحرمة المكان وبحياة المدنيين، ويطرح سؤالًا ملحًا عن الأهداف التي تسعى هذه الهجمات الإرهابية إلى تحقيقها، وعن الرسائل التي يراد تمريرها عبر التهديد بأمن الحرمين الشريفين .
إن يقظة الدفاعات الجوية السعودية وقدرتها على اعتراض التهديدات تمثلان عنصرًا أساسيًا في حماية السكان والمقدسات والمنشآت الحيوية . غير أن نجاح الاعتراض لا ينبغي أن يحجب حقيقة الخطر ولا أن يجعل تكرار المحاولات أمرًا اعتياديًا ، فكل صاروخ يُطلق وكل طائرة مسيّرة تُوجَّه نحو مناطق مأهولة أو محيط مقدسات يفتح بابًا لتصعيد قد تتجاوز عواقبه حدود الحسابات التي بدأ منها .
أما إيران، التي تتهمها أطراف إقليمية ودولية بدعم الحوثيين عسكريًا وتقنيًا، فلا يمكن أن يبقى دورها خارج دائرة المساءلة السياسية إذا ثبت ارتباط الدعم الذي تقدمه للجماعة بتعزيز قدراتها على تنفيذ هذه الهجمات. فالمسؤولية لا تتوقف عند من يضغط زر الإطلاق، بل تمتد إلى كل جهة يثبت أنها زوّدت المهاجمين الارهابيين بالسلاح أو الخبرة أو الإمكانات التي تسهّل هذه الاعتداءات .
ولا تكفي البيانات المنمقة عن التهدئة والاستقرار إذا كانت الوقائع الميدانية تشير إلى استمرار التهديد ، إذ ينبغي أن تُقاس المواقف بالأفعال ، وأن تُربط المسؤولية بالأدلة والتحقيقات الموثوقة .
إن خطورة هذا النهج الحوثي تكمن أيضًا في محاولته تحويل المقدسات إلى أدوات ضغط في صراع سياسي وعسكري .
فالحرمين الشريفين ليسا ورقة تفاوض، ولا وسيلة لاستعراض القوة، ولا هدفًا مشروعًا تحت أي ذريعة.
ومن يعتقد أن تهديد مكة أو المدينة يمكن أن يمنحه مكسبًا سياسيًا ، إنما يغامر بتوسيع دائرة المواجهة ويضع نفسه في مواجهة مشاعر المسلمين الذين تتجاوز صلتهم بهاتين المدينتين حدود الجنسية والمذهب والاختلاف السياسي .
ويكتسب الحديث عن وادي المغمّس دلالة تاريخية خاصة ، إذ يرتبط في المرويات الإسلامية والتاريخية بقصة أصحاب الفيل، الذين قصدوا مكة في حادثة سبقت مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد استقرت هذه الحادثة في الوجدان الإسلامي رمزًا لعجز القوة حين تواجه حرمة البيت الحرام ومكانته. وليس المقصود استدعاء التاريخ لإطلاق أحكام على أحداث الحاضر، بل التذكير بأن مكة ليست مكانًا عابرًا في الذاكرة الإسلامية، وأن المساس بأمن محيطها يستحضر لدى المسلمين معنى بالغ العمق يتعلق بحرمة البيت وقدسيته.
إن المطلوب اليوم موقف عربي وإسلامي ودولي واضح ، لا يكتفي بإدانة كل حادثة بعد وقوعها، بل يعمل على منع تكرارها، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق الأدلة والقانون الدولي، وتجفيف مصادر التسليح غير المشروع، وتعزيز الجهود التي تحمي المدنيين وتمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. كما أن حماية المقدسات مسؤولية تتطلب تنسيقًا جادًا بين الدول الإسلامية، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والاصطفافات التي تضع الخلافات السياسية فوق سلامة البشر وحرمة الأماكن المقدسة .
إن السعودية، وهي تواجه هذه التهديدات الإرهابية ، لا تدافع عن حدودها وأمن مواطنيها فحسب، بل تتحمل أيضًا مسؤولية حماية أرض تحتضن الحرمين الشريفين ويقصدها المسلمون من كل أنحاء العالم. ومن حقها أن تتخذ الإجراءات المشروعة اللازمة لحماية أراضيها وسكانها وضيوف الرحمن، مع الالتزام بالقانون الدولي ومبادئ حماية المدنيين.
لقد تجاوزت محاولات استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة، إن تأكدت تفاصيلها، كل حدود المسؤولية الدينية والإنسانية. ولا يمكن أن يصبح تكرار التهديد سببًا للتعايش معه أو التقليل من خطورته. فحرمة المقدسات ليست موضوعًا للمناورة، وأمن المدنيين ليس تفصيلا ثانويا، والتواطؤ مع الاعتداءات ليس موقفًا يمكن الاحتماء خلف الشعارات.
مكة والمدينة ليستا ساحة حرب ، والحرمين الشريفين ليسا هدفًا مباحًا لأي طرف. إنهما أمانة في ضمير الأمة، وحمايتهما واجب أخلاقي وإنساني وديني، وأي محاولة لتعريضهما للخطر تستحق إدانة صريحة وموقفًا حازمًا يردع المعتدين ويحمي الأرواح ويصون حرمة المقدسات .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *