فرنسا ، استفيقي !.حين تتحوّل الاحتجاجات إلى فوضى.
بقلم : وزيفة الطرابلسي
قنصل عام تشاد بتونس .
مراسل صحفي .
ليست فرنسا في حاجة إلى مزيد من الحرائق ، ولا إلى واجهات محطّمة ومتاجر منهوبة، بل انها في حاجة إلى وقفة شجاعة تعيد الاعتبار لقيم الجمهورية ، وتضع حدًّا للخلط الخطير بين الحق في الاحتجاج والاعتداء على حقوق الآخرين .
فحين تتحوّل الشوارع إلى ساحات للعنف، والممتلكات العامة والخاصة إلى أهداف للتخريب، يصبح من الضروري أن يرتفع صوت العقل، وأن يُقال بوضوح : الاحتجاج حق ، أمّا العنف فليس حرية ، والنهب ليس نضالا ، والتدمير ليس طريقًا إلى العدالة .
لقد ناضلت فرنسا طويلًا من أجل الحريات، وكانت شوارعها وساحاتها مسرحًا لمحطات تاريخية غيّرت واقع المجتمع ، وانتزعت حقوقا للعمال والنساء وسائر الفئات.
ومن رحم الاحتجاجات السلمية والإضرابات والتحركات المدنية وُلدت إصلاحات أسهمت في ترسيخ الحقوق الاجتماعية والسياسية . ولذلك ، فإن الدفاع عن حق التظاهر ليس موضع خلاف في دولة ديمقراطية ، لكن الدفاع عن هذا الحق يقتضي أيضًا رفض كل ما يفرغه من مضمونه ويحوّله إلى ذريعة للاعتداء على الناس وممتلكاتهم .
فلا أحد يملك أن يحوّل غضبه إلى رخصة لإحراق سيارة ، أو نهب متجر ، أو تخريب مدرسة ، أو الاعتداء على موظف أو صحفي أو رجل إغاثة .
ولا يجوز أن يُطلب من مواطن أن يدفع ثمن احتجاج لم يشارك فيه، أو أن يجد صاحب متجر صغير نفسه أمام خسارة سنوات من العمل بسبب أعمال عنف لا علاقة له بأسبابها. إن الحرية التي تنتهك حرية الآخرين تفقد جوهرها، والعدالة التي تُطلب بالتعدي على الأبرياء تناقض الغاية التي يُفترض أن تخدمها.
وراء كل واجهة زجاجية محطمة قصة إنسان ، ووراء كل متجر منهوب عائلة وأرزاق وعمال ينتظرون أجورهم .
وخلف كل مرفق عمومي متضرر أموال اقتُطعت من المجتمع لتوفير خدمة يحتاج إليها المواطنون .
وقد كشفت أعمال الشغب التي شهدتها فرنسا في أواخر يونيو ومطلع يوليو 2023 حجم الخسائر التي يمكن أن تخلّفها الفوضى ، إذ قدّرت حصيلة أولية لقطاع التأمين الأضرار بنحو 730 مليون يورو ، مع تسجيل أكثر من 15 ألف مطالبة بالتعويض.
ولم تكن تلك الأرقام مجرد حسابات مالية، بل عكست حجم المعاناة التي تكبّدها أصحاب المتاجر والمواطنون والجماعات المحلية.
والمفارقة المؤلمة أن الأحياء الأكثر هشاشة غالبًا ما تكون من أكثر المناطق تضررًا . فعندما يُغلق متجر أو تتعطل مدرسة أو تتضرر مكتبة أو صيدلية أو وسيلة نقل ، فإن الخاسر الأول هو المواطن الذي يحتاج إلى هذه الخدمات في حياته اليومية.
وهكذا تنقلب أعمال التخريب على الفئات التي يُرفع اسمها في الشعارات ، وتتحول الغضبة التي يُفترض أن تطالب بتحسين ظروف العيش إلى عبء إضافي على من يعانون أصلًا من الفقر والتهميش وصعوبة الوصول إلى الفرص .
إلى الشباب الفرنسي نقول : لا تسمحوا لأحد بأن يصادر غضبكم أو يوجّهه نحو تدمير مستقبلكم .
من حقكم أن تعترضوا، وأن ترفعوا أصواتكم في وجه الظلم والتمييز، وأن تطالبوا بفرص متكافئة في التعليم والعمل والسكن، وأن تحاسبوا المسؤولين عن إخفاقاتهم.
ومن واجب الدولة أن تسمع هذه المطالب، وأن تتعامل بجدية مع الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تغذّي الإحباط، بدل الاكتفاء بمعالجة مظاهر الأزمة بعد انفجارها.
لكن الغضب، مهما كانت أسبابه مشروعة، لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية أو قانونية. فلا ينبغي أن تتحول المعاناة إلى مبرر لإيذاء الآخرين، ولا أن يصبح الشعور بالتهميش دعوة إلى إحراق الجسور مع المجتمع.
إن مستقبل الشباب لا يُبنى بتدمير المؤسسات التي يمكن أن تفتح أمامهم أبواب المعرفة والعمل، بل بالمطالبة بإصلاحها وتطويرها وضمان أن تكون خدماتها وفرصها متاحة للجميع.
ومن الظلم ، في المقابل ، اختزال جيل كامل في تصرفات أقلية تلجأ إلى العنف.
فهناك ملايين الشباب الذين يدرسون ويعملون ويبتكرون، ويشاركون في الجمعيات والأنشطة الرياضية والثقافية، ويؤسسون المشروعات، ويدافعون عن أفكارهم بالوسائل السلمية. هؤلاء أيضًا صورة فرنسا الحقيقية، ولا يجوز أن تحجب مشاهد التخريب مساهماتهم أو أن تجعلهم موضع اتهام جماعي .
كما أن مواجهة الفوضى لا تبرر إطلاق الاتهامات بلا دليل ، أو اختلاق روايات عن جهات تقف وراء الأحداث من دون أدلة قابلة للتحقق .
فكل حديث عن التحريض المنظم أو التلاعب بغضب الشباب يجب أن يستند إلى وقائع موثوقة، وأن تتولى الجهات المختصة التحقيق فيه.
إن مقاومة العنف لا تكون بالتضليل، والدفاع عن الجمهورية لا يكتمل إلا باحترام الحقيقة وسيادة القانون.
إن العيش في فرنسا لا يعني أن الحياة خالية من الصعوبات ، ولا أن المساواة تحققت بصورة كاملة ، ولا أن المؤسسات لا تحتاج إلى الإصلاح. لكنه يعني ، في المقابل ، الاستفادة من منظومة من الحقوق والخدمات ، تشمل التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية وحرية التعبير واللجوء إلى القضاء والمشاركة في الحياة العامة.
وهذه المكاسب ليست هبة أبدية مضمونة مهما كانت الظروف، بل هي ثمرة نضالات طويلة ومسؤوليات مشتركة، تستوجب الحماية والتطوير .
وفي عالم لا يزال فيه مئات الملايين من البشر يواجهون الفقر المدقع، ويحرم كثيرون من التعليم والرعاية الصحية والأمن، تزداد أهمية الحفاظ على المكتسبات الديمقراطية والاجتماعية.
وليس المقصود بذلك التقليل من معاناة الفرنسيين أو مطالبة الشباب بالصمت عن مشكلاتهم ، بل التذكير بأن المؤسسات العامة والخدمات الاجتماعية والحريات ليست ملكًا لحكومة أو حزب ، وإنما هي مكاسب للمجتمع كله، ومن حق الجميع المطالبة بأن تكون أكثر عدلًا وإنصافًا .
ومع ذلك، فإن مسؤولية الدولة لا تقل عن مسؤولية الأفراد.
فلا يمكن بناء الثقة بمجرد الدعوة إلى الهدوء، ولا يكفي أن تطالب السلطات الشباب باحترام القانون إذا لم تعمل بالقدر نفسه على ضمان تكافؤ الفرص، ومقاومة التمييز، وتحسين الخدمات العامة، وتوفير آفاق حقيقية للعمل والاندماج.
وعلى أجهزة الأمن أن تحمي السكان وتطبق القانون في إطار احترام الحقوق ، كما ينبغي إخضاع أي تجاوزات للمساءلة والتحقيق المستقل .
فالعدالة لا تعني التساهل مع من يعتدي على الناس، كما لا تعني منح السلطة حق التصرف خارج القانون. ومن يرتكب أعمال عنف أو نهب أو تخريب يجب أن يتحمل مسؤولية أفعاله وفق إجراءات قضائية عادلة ، تمامًا كما يجب أن يتمتع كل مواطن بحقه في المحاكمة المنصفة .
إن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على فرض النظام وحده، بل أيضًا بقدرتها على فرض احترام القانون على الجميع دون تمييز.
وهنا تبرز المعادلة التي لا يجوز لفرنسا أن تتخلى عنها : الحزم في مواجهة العنف ، والإنصاف في معالجة أسبابه ، حماية الممتلكات والأرواح، والاستماع إلى المطالب المشروعة ، تطبيق القانون، وعدم السماح بأن يتحول إلى أداة للانتقام أو التمييز .
فالحزم والحوار ليسا نقيضين، بل ركيزتان لا غنى عنهما لاستعادة الثقة وترميم العلاقة بين المواطن ومؤسسات الجمهورية.
يا شباب فرنسا، إنكم لا ترثون بلدًا كاملًا بلا عيوب، بل ترثون وطنًا صنعته أجيال من العمل والتضحيات والنضالات .
ومن حقكم أن تطالبوا بتغييره إلى الأفضل، وأن ترفضوا الظلم، وأن تحلموا بفرص أوسع وحياة أكثر كرامة.
لكن التغيير الحقيقي لا يولد من الرماد، ولا تتحقق الكرامة بإهانة الآخرين، ولا تُنتزع الحقوق بإحراق ما يحتاج إليه المجتمع .
يمكنكم أن تنخرطوا في الجمعيات والنقابات والأحزاب، وأن تحاسبوا المنتخبين، وأن تنظموا الاحتجاجات السلمية، وأن تقترحوا الحلول، وأن تدافعوا عن قناعاتكم بشجاعة . تلك هي الطرق التي تمنح الغضب معنى، وتحول الاحتجاج إلى قوة إصلاح، وتمنح الأجيال القادمة فرصة العيش في مجتمع أكثر عدلًا وتماسكًا .
فرنسا ليست بلدًا ينبغي إخضاعه للفوضى أو دفعه إلى الركوع ، وليست جمهورية مكتملة لا تحتاج إلى مراجعة.
إنها أمة تستحق أن تُصان، وجمهورية يجب أن تظل وفية لوعدها بالحرية والمساواة والأخوة، وبلد يحتاج إلى إصلاحات شجاعة تعيد الأمل إلى شبابه، وتضمن الكرامة لمواطنيه، وتحمي حقوق الجميع.
استفيقي يا فرنسا ، لا لتغلقي أبواب الاحتجاج، بل لتفتحي أبواب الإصلاح ، لا لتختاري بين الأمن والحرية ، بل لتصونيهما معًا ، ولا لتواجهي شبابك باعتباره خصمًا، بل لتستعيدي ثقته وتمنحيه مكانته ودوره في بناء المستقبل.
فالقوة الحقيقية للشباب لا تُقاس بعدد الواجهات المحطمة، ولا بعدد السيارات المحترقة، بل بقدرته على تحويل الغضب إلى مبادرة، والاحتجاج إلى إصلاح، والاختلاف إلى حوار، والطموح إلى إنجاز.
إن الأمم لا تصنع مستقبلها بتدمير حاضرها، ولا تستعيد كرامتها بإلحاق الأذى بأبنائها.
إنها تنهض حين تنتصر للعدالة، وتحمي الحرية، وتفرض احترام القانون، وتمنح كل مواطن أملًا حقيقيًا في غد أفضل .
