38°C تونس
18/10/2026
مصر والسعودية … أمن واحد ومصيرٌ مشترك .
أراء وأفكار

مصر والسعودية … أمن واحد ومصيرٌ مشترك .

أكتوبر 18, 2026

بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في لحظات الأزمات ، تسقط الأقنعة ، وتُختبر صدقية التحالفات ، وتظهر الفوارق بين من يكتفي ببيانات التضامن ومن يستعد لتحمّل المسؤولية .
ومن هذا المنطلق، تكتسب تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن استعداد مصر للتحرك دفاعا عن أمن المملكة العربية السعودية ، ودعوته مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة لمنحه التفويض اللازم إذا اقتضت الظروف ذلك ، دلالات تتجاوز حدود العلاقة الثنائية ، لتعيد طرح سؤال جوهري : هل آن للعرب أن يدركوا أن أمنهم لا يتجزأ ، وأن استهداف أي دولة محورية منهم قد يكون مقدمة لتهديد استقرار المنطقة بأسرها ؟ .
إن أهمية الموقف المصري لا تكمن في رمزيته السياسية فحسب ، بل في الرسالة التي يحملها إلى الإقليم والعالم : السعودية ليست وحدها ، وأمنها ليس شأنا معزولا عن محيطها العربي .
فالمملكة، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وديني، وبما تؤديه من دور محوري في استقرار أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية، تشكل ركنا أساسيا في معادلة الأمن الإقليمي .
وأي تهديد لسيادتها أو استهداف لأراضيها ومنشآتها الحيوية لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثا محدودا أو أزمة تخص الرياض وحدها ، لأن تداعياته قد تمتد إلى الخليج والمنطقة والعالم .
ومن هنا، فإن الموقف المصري يعيد الاعتبار إلى معنى التضامن العربي حين يتحول من كلمات تُقال في المناسبات إلى التزام سياسي واضح ، تحكمه المصالح المشتركة وتدعمه الإرادة والقدرة على الفعل .
فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بعمق التاريخ وحده ، ولا بما تختزنه الذاكرة من روابط أخوة ، وإنما بما تكشف عنه المواقف عندما تتعرض السيادة الوطنية للخطر وتصبح حماية الاستقرار مسؤولية لا تحتمل التردد .
وليس خافيا أن العلاقة المصرية – السعودية تمثل أحد أعمدة التوازن العربي .
فالقاهرة والرياض تمتلكان من الثقل السياسي والعسكري والاقتصادي والخبرة الإقليمية ما يؤهلهما للاضطلاع بدور مؤثر في حماية استقرار المنطقة ، والتصدي لمحاولات فرض الوقائع بالقوة أو إخضاع الدول للابتزاز والتهديد .
وحين تتقارب مواقفهما، فإن الرسالة لا تتجه إلى طرف بعينه فحسب، بل تؤكد أن أمن المنطقة لا ينبغي أن يكون رهينة مغامرات عسكرية أو حسابات توسعية أو رهانات على انقسام العرب وضعف قدرتهم على التنسيق .
لقد أثبتت التجارب أن الفراغ العربي لا يبقى فراغا طويلا ، إذ سرعان ما تسعى قوى أخرى إلى ملئه، وفق مصالحها وحساباتها، لا وفق ما يخدم استقرار المنطقة وشعوبها.
وحين تغيب الرؤية المشتركة، تصبح الدول أكثر عرضة للضغوط ، وتتحول الأزمات المحلية إلى بؤر توتر إقليمي ، بينما يدفع المواطن العربي ثمن صراعات لم يخترها ، ومغامرات لا يملك قرارها .
لكن الدفاع عن أمن السعودية لا يعني الدعوة إلى الحرب، ولا يبرر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة تستنزف المنطقة وتضاعف معاناة شعوبها. فالقوة الحقيقية هي التي تمنع الاعتداء قبل وقوعه، والردع الفاعل هو الذي يجعل كلفة المغامرة أكبر من مكاسبها المتوهمة .
ومن ثم، فإن التنسيق الدفاعي، والتحرك الدبلوماسي، وتوحيد الرسائل السياسية، وحماية المنشآت الحيوية، كلها أدوات متكاملة لصون السيادة ومنع التصعيد.
فالحزم لا يتعارض مع الحكمة، والقدرة على الدفاع لا تلغي ضرورة إبقاء أبواب التسوية مفتوحة.
والأهم أن تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة بناء مفهوم الأمن العربي على أسس عملية، بعيدا عن ردود الفعل الموسمية. فالمنطقة تحتاج إلى آليات دائمة للتشاور والتنسيق، وإلى تعاون يحمي المصالح الاستراتيجية، ويعزز أمن الطاقة والممرات التجارية والمنشآت الحيوية، ويجعل الاعتداء على أي دولة عربية مصدر قلق وتحرك جماعي، لا مناسبة لبيانات الأسف والانتظار.
كما أن مسؤولية المجتمع الدولي تقتضي التمسك بمعايير واضحة وثابتة، أساسها احترام سيادة الدول، وحماية المدنيين والمنشآت المدنية، ورفض الاعتداءات التي تهدد الاستقرار الإقليمي. فلا يمكن أن تكون السيادة مبدأً يُدافع عنه في حالة ويُتجاهل في حالة أخرى، ولا أن يصبح أمن الدول خاضعاً لمعايير مزدوجة تتغير بتغير المصالح والتحالفات.
إن مصر، بموقفها المعلن، تؤكد عمق الروابط التي تجمعها بالمملكة العربية السعودية، لكنها تضع العرب أيضاً أمام استحقاق أكبر من حدود التضامن الثنائي : الانتقال من منطق الاستجابة للخطر إلى منطق منع الخطر، ومن الاكتفاء بتبادل المواقف إلى بناء قدرة عربية على حماية المصالح المشتركة .
فليس المطلوب أن ينتظر العرب وقوع الأزمة حتى يكتشفوا وحدة مصيرهم، بل أن يجعلوا من هذه الوحدة أساسا. لسياسات واقعية ومؤسسات قادرة على صون أمنهم واستقرارهم .
حين تقف مصر إلى جانب السعودية، فإنها لا تعبّر عن وفاء لعلاقة تاريخية فحسب، بل عن إدراك عميق لحقيقة استراتيجية : أمن الأشقاء ليس عبئا إضافيا ، بل جزء من أمن الجميع. فالمملكة التي تمثل ثقلاً عربيا وإسلاميا ودوليا تستحق أن تجد إلى جانبها مواقف واضحة ترفض تهديدها ، وتصون سيادتها، وتدعم حقها في حماية أرضها وشعبها ومقدراتها.
وفي نهاية المطاف، لن تُقاس قوة العرب بما يصدرونه من بيانات، ولا بعدد الشعارات التي يرفعونها عن وحدة المصير ، بل بقدرتهم على تحويل هذه الوحدة إلى فعل سياسي مسؤول ، وردع يحمي السلام ، وتعاون يمنع الأزمات قبل انفجارها. ومصر والسعودية ، بما تمثلانه من مكانة وثقل، قادرتان على الإسهام في ترسيخ هذا النهج ، لتكون رسالتهما واضحة : التضامن العربي ليس ترفا سياسيا ، بل ضرورة استراتيجية، وأمن الأشقاء ليس شأنا يخصهم وحدهم، وإنما مسؤولية مشتركة ومصير لا يقبل التجزئة .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *