38°C تونس
18/10/2026
الإمارات وغزة … حين تتحدث الإنسانية وسط ضجيج المنصات .
أراء وأفكار

الإمارات وغزة … حين تتحدث الإنسانية وسط ضجيج المنصات .

أكتوبر 18, 2026

بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحة لتصفية الحسابات وترويج الروايات الانتقائية ، كثيرًا ما تضيع الحقائق وسط الضجيج ، وتُحاصر المواقف الإنسانية بحملاتٍ لا ترى من المشهد إلا ما يخدم سرديتها .
وفي خضم ذلك ، يبرز سؤال يستحق التأمل : لماذا يغيب عن بعض هذه المنصات ما تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة من دعم طبي وإنساني للفلسطينيين في غزة؟ .
قبل أيام، عاد مرضى فلسطينيون إلى القطاع بعد استكمال علاجهم في المستشفيات الإماراتية .
لم تكن لحظات العودة مجرد نهاية لرحلة علاج ، بل كانت مشاهد إنسانية تختلط فيها فرحة التعافي بمرارة الفراق ، بعدما نشأت بين المرضى والفرق الطبية التي رعتهم روابط تتجاوز حدود المهنة إلى معاني الرحمة والتضامن .
وبين العائدين أطفال ومرضى بالسرطان، وجدوا في الرعاية الطبية فرصةً لمقاومة المرض واستعادة شيء من الأمل الذي أثقلته الحرب.
لقد وفّرت الإمارات العلاج لألف طفل فلسطيني وألف مريض بالسرطان من قطاع غزة ، إلى جانب إجلاء المرضى والمصابين، وتقديم المساعدات الغذائية والطبية والإغاثية. وهي جهود لا تختزل المأساة الفلسطينية، ولا تنهي معاناة غزة، لكنها تخفف آلامًا حقيقية، وتمنح مرضى وأطفالًا فرصةً للحياة في ظروف لا تترك للإنسان إلا القليل من الخيارات.
ولا يعني الاعتراف بهذا الجهد إعفاء أي دولة من النقد أو مصادرة حق الآخرين في الاختلاف مع سياساتها.
فالنقد حق مشروع، ومساءلة الدول أمر طبيعي، لكن الإنصاف يقتضي الفصل بين الخلاف السياسي والوقائع الإنسانية ، وألا يتحول الاختلاف إلى مبرر لتجاهل كل ما يُقدَّم من مساعدة، أو اختزال صورة دولة بأكملها في روايات أحادية الجانب .
فغزة لا تحتاج إلى الشعارات وحدها، ولا إلى سباق المواقف على الشاشات، بقدر ما تحتاج إلى الدواء الذي ينقذ مريضًا، والغذاء الذي يسند أسرةً أنهكها الجوع، والرعاية التي تحمي طفلًا من أن يتحول المرض إلى حكمٍ بالموت. تحتاج إلى تضامنٍ يُترجم إلى فعل، وإلى جهودٍ تخفف معاناة الإنسان بعيدًا عن حسابات الدعاية والمزايدات.
وحين يعود طفل فلسطيني إلى أسرته بعد رحلة علاج، فإن وراء هذه العودة أطباء وممرضين ومسعفين، ومؤسسات سخّرت إمكاناتها لإنقاذ حياةٍ بشرية.
وحين يستعيد مريض قدرته على مقاومة السرطان، فإن ذلك ليس تفصيلًا عابرًا في سجال سياسي، بل قيمة إنسانية تستحق أن تُروى وتُقدَّر، أيًّا كان مصدرها.
إن المواقف لا تُقاس فقط بما يُقال عنها، بل أيضًا بما تتركه من أثر في حياة الناس. وقد تختلف القراءات السياسية، وتتباين المواقف من سياسات الدول، لكن إنقاذ المرضى ورعاية الأطفال وتخفيف آلام المدنيين تظل أعمالًا تستحق التقدير، ولا ينبغي أن تصبح رهينة الخصومات أو ضحية حملات التشويه.
في غزة، حيث تُختبر الإنسانية في أقسى الظروف، لا ينبغي أن يحجب ضجيج المنصات صوت المريض، ولا أن تطمس الروايات المتنازعة حقيقة طفلٍ استعاد الأمل.
فالحقيقة لا تحتاج إلى صخب كي تثبت وجودها ، والعمل الإنساني لا يفقد قيمته لأن البعض يتجاهله .
قد تختلف الآراء ، وقد تستمر الحملات، لكن ما يبقى في ذاكرة الإنسان هو اليد التي امتدت إليه في لحظة ضعفه، والدواء الذي خفف ألمه، والرعاية التي منحته فرصةً جديدة للحياة. تلك هي الرسالة التي ينبغي ألا تغيب عن النقاش بشأن غزة : أن إنصاف الحقائق مسؤولية ، وأن الإنسانية أكبر من المزايدات ، وأن قيمة العطاء تُقاس بما يصنعه من فرق في حياة البشر .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *