خذل الله من خذل السعودية … درس في وفاء الكويت .
بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
ليست كل الخطب التي تُلقى من على المنابر مجرد كلمات تُقال ثم تمضي ، فبعضها يتحول إلى موقف ، وبعض العبارات تختصر تاريخا من المحبة والوفاء ، وتكشف عند الشدائد حقيقة الروابط التي تجمع الشعوب .
وهذا ما حملته خطبة الجمعة التي ألقاها الشيخ عبدالعزيز العويد في الكويت يوم 16 أكتوبر 2026، حين صدحت عبارته: ” خذل الله من خذل السعودية ” ، لتتجاوز حدود الموعظة الدينية وتعبّر عن وجدان كويتي يرى في المملكة العربية السعودية شقيقًا وسندًا وشريكًا في المصير.
لقد جاءت هذه العبارة القوية في سياق اعتماد وزارة الأوقاف الكويتية خطبة موحدة بعنوان : ” وحدة المصير وحرمة الاعتداء ” ، عقب الأنباء المتداولة بشأن استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض.
رد ولم يكن اختيار هذا المضمون تفصيلا عابرا، بل رسالة واضحة بأن أمن المملكة وسيادتها وسلامة منشآتها ليست شأنًا سعوديًا منفردًا، وإنما قضية تمس أمن الخليج واستقراره ومستقبل شعوبه .
ولعل أكثر ما يمنح الموقف الكويتي عمقه الإنساني والتاريخي أن الكويت تعرف جيدا معنى أن تجد إلى جانبها دولة لا تتردد في الوقوف معها ساعة المحنة. ففي عام 1990، عندما تعرضت الكويت للغزو العراقي ، فتحت المملكة العربية السعودية أبوابها للكويتيين ، واحتضنت أبناءها ، وأسهمت في الجهود التي أفضت إلى تحرير البلاد واستعادة سيادتها. يومها لم تكن السعودية مجرد جار يؤدي واجبًا سياسيًا، بل كانت بيتًا عربيًا كبيرًا احتضن أشقاءه، وبلدًا أثبت أن التضامن الحقيقي يُقاس بالمواقف حين تضيق الخيارات وتشتد المحن.
لذلك، فإن استحضار هذا التاريخ من على منبر كويتي ليس استعادة لذكرى مضت ، بل تجديد لعهد من الوفاء لا تمحوه السنوات ولا تبدده التحولات .
فالأمم التي تحفظ الجميل لا تنسى من وقف معها عندما كانت في أمسّ الحاجة إلى السند، والشعوب التي تختزن ذاكرتها مواقف النخوة تعرف أن العلاقات الراسخة لا تُبنى على المصالح وحدها، وإنما على الثقة والوفاء والاعتراف بالجميل.
إن عبارة ” خذل الله من خذل السعودية ” تحمل، في دلالتها السياسية والأخلاقية ، رفضًا واضحًا للتخلي عن المملكة في مواجهة التهديدات والاعتداءات .
وهي ليست مجرد مجاملة عاطفية أو استجابة ظرفية، بل تعبير عن قناعة بأن أمن السعودية جزء لا يتجزأ من أمن الكويت وسائر دول مجلس التعاون الخليجي .
فحين تتعرض دولة خليجية للتهديد، لا تكون التداعيات محصورة داخل حدودها، بل تمتد إلى استقرار المنطقة ومصالح شعوبها وأمنها الجماعي.
والوقوف إلى جانب المملكة لا يتعارض مع الدعوة إلى التهدئة ، بل ينسجم مع مبدأ ثابت : لا سلام مستدامًا مع التساهل في الاعتداء على سيادة الدول أو تعريض المدنيين والمنشآت المدنية للخطر .
فالتضامن الحقيقي هو الذي يجمع بين وضوح الموقف، واحترام القانون الدولي، والدفاع عن حق الدول في حماية أراضيها وشعوبها، بعيدًا عن منطق التبرير أو ازدواجية المعايير.
ما بين الكويت والسعودية أكبر من حدود جغرافية تفصل بلدين ، وأعمق من اتفاقيات تعاون تجمع حكومتين .
إنها علاقة صنعتها الجيرة، ورسختها المواقف، وحمتها روابط اجتماعية وإنسانية وثقافية ممتدة بين شعبين يتقاسمان الأفراح والتحديات، ويعرف كل منهما مكانة الآخر في ذاكرته ووجدانه. وهي علاقة أثبتت الأزمات أنها أكثر صلابة من تقلبات السياسة وأكثر رسوخًا من حسابات اللحظة.
ومن هنا، اكتسبت الخطبة الكويتية أهميتها،لأنها ذكّرت بأن الوفاء ليس خطابًا للاستهلاك، وأن وحدة المصير لا تُختبر في أوقات الرخاء، بل عندما يصبح اتخاذ الموقف ضرورة أخلاقية ومسؤولية تاريخية .
كما أكدت أن التضامن الخليجي لا ينبغي أن يظل شعارًا في البيانات الرسمية، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة راسخة وموقف واضح كلما تعرض أمن إحدى دوله للخطر .
لقد اختصر منبر الكويت، في عبارة واحدة، صفحات من التاريخ المشترك، وأعاد التذكير بأن المملكة التي وقفت إلى جانب الكويت في محنتها لم تقف يومًا غريبة عن وجدان شعبها. فالمواقف النبيلة لا تسقط بالتقادم، والوفاء الصادق لا يحتاج إلى مناسبة كي يُعلن عن نفسه.
السعودية ليست وحدها ، والكويت لا تنسى من وقف معها ، وبين البلدين تاريخ من الأخوة لا تهزه العواصف.
وحين يلتقي صوت المنبر مع ضمير الشعب وذاكرته ، تصبح الكلمة أكثر من موعظة، وتغدو رسالة وفاء واضحة : أمن المملكة من أمن الخليج، والتضامن معها ليس فضلًا يُمنح، بل واجب تفرضه الأخوة ووحدة المصير .
