عيد الجلاء… حين استعادت تونس سيادتها واكتمل الاستقلال.
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ).
في مثل هذا اليوم من عام 1963، غادر آخر جندي فرنسي الأراضي التونسية، لتطوي البلاد صفحة طويلة من الاستعمار، وتعلن اكتمال استقلالها باستعادة السيطرة على آخر المواقع التي ظلّت خارج سيادتها. كان ذلك اليوم تتويجًا لمسيرة وطنية شقّت طريقها بالتضحيات والصمود، وأثبتت أن إرادة الشعوب قادرة على انتزاع حريتها مهما طال زمن الاحتلال.
في الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء، تعود تونس إلى واحدة من المحطات المضيئة في تاريخها الحديث، لا لتستحضر أمجاد الماضي فحسب، بل لتتأمل المعنى العميق للسيادة الوطنية، وما تفرضه من مسؤولية في حماية استقلال القرار وصون كرامة الشعب.
لم يكن الجلاء مجرد انسحاب عسكري، بل كان إعلانًا عن حق التونسيين في امتلاك أرضهم وتقرير مصيرهم، وثمرة نضال أجيال آمنت بأن الحرية لا تُوهب، وأن الأوطان التي تدافع عن كرامتها قادرة على كتابة تاريخها بإرادتها. ومن دماء الشهداء وتضحيات المقاومين، تشكّلت ذاكرة وطنية جعلت الاستقلال قيمة تتجاوز حدود السياسة والجغرافيا إلى معنى الانتماء والكرامة.
غير أن الدلالة الأعمق لهذا العيد لا تكمن في استعادة حدث تاريخي فحسب، بل في استحضار ما يترتب عليه من واجبات في الحاضر. فالسيادة لا تختزل في رحيل الجيوش الأجنبية، وإنما تتجسد أيضًا في استقلال القرار الوطني، والقدرة على إدارة الشأن الداخلي، وحماية المصالح العليا، وصون الهوية الثقافية من الذوبان أو التبعية.
إن الجلاء الذي تحقق بالأمس يذكّرنا بأن الحرية مشروع متواصل، وأن الاستقلال الحقيقي يحتاج إلى وعي يحميه، ومؤسسات تصونه، وإرادة وطنية تجعل مصلحة تونس فوق كل اعتبار. فكما خاض الأجداد معركة التحرير، تتحمل الأجيال الراهنة مسؤولية بناء دولة قوية، قادرة على مواجهة تحدياتها، وتحويل إمكاناتها إلى فرص للتنمية والتقدم.
وفي الخامس عشر من أكتوبر من كل عام، تستعيد تونس عهدها مع تاريخها، وتستحضر تضحيات رجال ونساء جعلوا من حب الوطن فعل مقاومة وتضحية. إنها مناسبة لتجديد الوفاء لمن مهّدوا طريق الحرية، وللتأكيد أن صيانة الاستقلال لا تقل أهمية عن تحقيقه، وأن كرامة الأوطان تُقاس بقدرتها على حماية سيادتها، والاستجابة لتطلعات أبنائها، وفتح آفاق المستقبل أمامهم.
في عيد الجلاء، لا نحتفي برحيل آخر جندي أجنبي فحسب، بل نحتفي بحق تونس في أن تكون سيدة قرارها، حرة في خياراتها، معتزة بهويتها، وماضية بثقة نحو مستقبل يليق بتاريخها وتضحيات شعبها.
