الاعتداءات على الرياض … حين ترتدّ المغامرة الحوثية على أصحابها .
بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
ليست الاعتداءات التي تستهدف الرياض مجرد أحداث عسكرية عابرة في مشهد إقليمي مضطرب ، بل هي تطور خطير يكشف حجم المخاطر التي تنطوي عليها سياسة توسيع المواجهة ، والزجّ بأمن المنطقة ومصالح شعوبها في حسابات النفوذ والصراع .
فعندما تمتد الهجمات إلى المطارات والمنشآت المدنية ، لا يعود الأمر مجرد مواجهة بين أطراف متنازعة ، بل يصبح تهديدا مباشرا لأمن المدنيين ، واستقرار الدول ، وشرايين الاقتصاد الإقليمي والدولي .
إن استهداف مطار الملك خالد الدولي في العاصمة السعودية ، وما أُعلن عن وقوعه من هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة يومي 10 و11 أكتوبر ، يضع المنطقة أمام منعطف بالغ الحساسية. فالمطارات ليست أهدافًا عسكرية عادية، وإنما بوابات للحياة والتواصل والتجارة والسفر، وأي اعتداء عليها يطال أمن الناس وحقهم في العيش بعيدًا عن مخاطر الصراعات المفتوحة. ومن هنا، فإن خطورة هذه الاعتداءات لا تُقاس فقط بحجم الأضرار المباشرة ، بل أيضًا بما تحمله من رسائل تهديد ومحاولات لفرض معادلات سياسية بالقوة.
ويبدو أن الحوثيين يراهنون على الموقع الجغرافي لليمن ، المطل على مضيق باب المندب، لتحويله إلى ورقة ضغط تتجاوز حدود الصراع الداخلي .
فالمضيق ليس مجرد ممر بحري ، بل شريان حيوي للتجارة العالمية ، وأي تهديد لأمنه ينعكس على مصالح دول عديدة ، ويضاعف المخاوف بشأن سلامة الملاحة الدولية .
غير أن الجغرافيا ، مهما بلغت أهميتها الاستراتيجية، لا تمنح أصحابها تفويضا بتهديد الآخرين ، ولا تحوّل القدرة على تعطيل المصالح إلى انتصار سياسي مضمون .
فقد تتحول الورقة التي يُراد استخدامها لانتزاع المكاسب إلى عبء ثقيل يوسّع دائرة المواجهة ويضيّق هامش المناورة .
وفي هذا السياق ، لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي للتحركات الحوثية ، ولا التساؤلات التي تثيرها علاقتها بإيران ، خصوصًا في ظل تزامن التوترات المرتبطة بمضيق هرمز مع المخاطر المحيطة بباب المندب .
ففتح جبهات متعددة ، أو التلويح بإمكانية تهديد الممرات الاستراتيجية ، قد يرفع كلفة المواجهة على الخصوم ، لكنه يضع المنطقة بأسرها أمام احتمالات تصعيد يصعب احتواؤه .
ومع ذلك ، تظل القراءة الدقيقة لهذه التطورات رهينة التمييز بين الوقائع الميدانية المثبتة والتقديرات السياسية بشأن الأهداف التي تسعى إليها مختلف الأطراف .
والمفارقة أن الجماعة التي قد تعتقد أن توسيع دائرة الهجمات يمنحها أوراقًا إضافية للتفاوض ، يمكن أن تجد نفسها أمام نتيجة معاكسة تمامًا .
فاستهداف المنشآت المدنية لا يعزز بالضرورة الموقع السياسي أو العسكري ، بل قد يوسّع دائرة الرفض الإقليمي والدولي ، ويزيد من عزلة الجماعة ، ويمنح الأولوية لاعتبارات الردع وحماية الأمن على حساب فرص الحوار والتسوية .
وحين يصبح المدنيون ومرافق النقل والمنشآت الحيوية عرضة للخطر ، تتراجع مساحة الثقة، ويصبح إقناع الأطراف بالحلول السياسية أكثر صعوبة .
كما أن التطورات الميدانية في اليمن لا تنفصل عن تحركات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا ، وعن مساعيها إلى استعادة المبادرة ومواجهة الحوثيين .
فالمعادلة لا تتعلق فقط بما تستطيع الجماعة تحقيقه في لحظة التصعيد ، بل كذلك بقدرتها على تحمّل نتائجه السياسية والاقتصادية والعسكرية .
فكلما اتسعت دائرة التهديد ، ازدادت المصالح المتضررة ، وتعددت الأطراف المعنية بأمن المنطقة، وأصبح هامش المناورة أضيق مما قد تتصوره الجماعة .
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن استخدام القوة لتعطيل الاستقرار قد يفرض ضغوطًا مؤقتة ، لكنه لا يصنع بالضرورة واقعًا سياسيًا مستدامًا .
فالممرات البحرية ليست ملكًا لطرف، ولا يجوز تحويلها إلى رهائن في صراعات النفوذ . إنها شرايين للتجارة العالمية ، وأمنها مصلحة مشتركة تتجاوز الحسابات الضيقة ، وأي محاولة لتهديدها تفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية وأمنية لا يمكن حصرها في حدود ساحة المواجهة الأولى .
وتزداد الصورة تعقيدا في ظل التحولات المحيطة بمراكز القرار الإيراني ، والتساؤلات المتعلقة بتوازن النفوذ بين المرشد الأعلى والحرس الثوري والمؤسسات السياسية .
فهذه التوازنات تؤثر في قراءة اتجاهات السياسة الإقليمية ، وفي تقدير الخيارات التي قد تلجأ إليها طهران في إدارة علاقاتها مع الجماعات الحليفة لها.
وبين احتمال احتواء التصعيد والبحث عن مخارج سياسية، واحتمال مواصلة استخدام أدوات الضغط الإقليمية، تبقى النتائج مفتوحة على مسارات متعددة .
لكن الثابت أن توسيع رقعة المواجهة يرفع كلفتها، ويجعل احتواءها أكثر صعوبة، ويضع شعوب المنطقة أمام مخاطر لا تتحمل مسؤوليتها وحدها .
وفي قلب هذه المعادلة ، تقف المملكة العربية السعودية أمام مسؤولية أساسية تتمثل في حماية أمنها الوطني ، وصون سلامة مواطنيها والمقيمين على أرضها ، والدفاع عن منشآتها الحيوية وسيادتها .
فأمن الرياض ليس شأنًا محليًا معزولًا ، بل يرتبط باستقرار الخليج والبحر الأحمر، وبسلامة حركة الملاحة والتجارة، وبقدرة دول المنطقة على منع تحول الممرات الاستراتيجية إلى أدوات للابتزاز أو ساحات مفتوحة للحروب بالوكالة .
إن الدفاع عن أمن المملكة لا ينفصل عن الدفاع عن حق شعوب المنطقة في الاستقرار، ولا عن ضرورة احترام قواعد القانون الدولي وحماية المدنيين والمنشآت المدنية . فالتصدي للتهديدات لا يعني التخلي عن الحلول السياسية ، كما أن الدعوة إلى التسوية لا تعني التساهل مع الاعتداءات أو القبول بتحويل أمن الدول إلى ورقة تفاوض .
أما الحوثيون ، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجههم لا يكمن في قدرتهم على إطلاق الصواريخ أو تسيير الطائرات المسيّرة ، بل في إدراك حدود القوة ، وحساب كلفة الخيارات التي يتخذونها على اليمنيين قبل غيرهم . فاليمن الذي أنهكته سنوات الحرب لا يحتاج إلى جبهات جديدة، ولا إلى مغامرات تزيد عزلته وتعمّق أزماته ، بل يحتاج إلى مسار ينهي الصراع، ويحفظ سيادته، ويعيد للدولة مؤسساتها وللمواطنين حقهم في الأمن والحياة الكريمة .
وقد يجد الحوثيون ، إذا واصلوا توسيع دائرة الاستهداف ، أن المغامرة التي أرادوا من خلالها تعزيز نفوذهم تحولت إلى عامل يضيّق خياراتهم، ويزيد من الضغوط عليهم، ويدفع مزيدًا من الأطراف إلى التعامل مع تهديداتهم باعتبارها قضية تتصل بالأمن الإقليمي والدولي.
ففي منطقة تتشابك فيها المصالح وتتعدد
فيها ساحات المواجهة ، لا تُقاس القوة بمجرد القدرة على إشعال الجبهات، بل بمدى القدرة على تحقيق الأهداف من دون دفع الجميع إلى حافة الهاوية .
ومن يعتقد أن التصعيد يمنحه اليد العليا ، قد يكتشف أن كل جبهة يفتحها تضيف إلى حساباته أعباء جديدة ، وأن المغامرة التي تبدأ بحثًا عن النفوذ قد تنتهي بخسارة أوراقه وتضييق خياراته. تلك هي المفارقة التي ينبغي أن يدركها الحوثيون : ليس كل تصعيد انتصارًا ، وليس كل تهديد مصدر قوة ، فقد تنقلب المغامرة ، في نهاية المطاف، على أصحابها .
