مجلس وزراء الداخلية العرب … حين تصبح حماية الإنسان والبيئة رسالة حياة .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ).
ليست الكوارث أرقامًا تُحصى ، ولا البيوت التي تنهار مجرد جدران تتهاوى ، ولا البيئة التي تختنق بالتلوث أرضًا تفقد بعض خضرتها فحسب ، إنها حكايات بشرية موجعة، وأحلام عائلات مهددة، وأطفال قد يفقدون دفء بيوتهم وأمان طفولتهم في لحظة واحدة.
وراء كل كارثة إنسان ينتظر النجدة، وأسرة تتشبث بالأمل، ومجتمع يختبر قدرته على حماية الحياة في مواجهة الخطر .
من هنا، تكتسب رسالة معالي الدكتور محمد بن علي كومان، الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب، بمناسبة اليوم العالمي للحد من الكوارث ويوم البيئة العربي، أبعادًا إنسانية تتجاوز حدود المناسبة، لتضعنا أمام حقيقة لا تحتمل التأجيل : إن حماية الإنسان تبدأ قبل وقوع الكارثة، وإن إنقاذ الأرواح مسؤولية تُمارَس بالاستعداد والوعي والتخطيط، لا بمجرد التدخل بعد أن تقع الفاجعة.
في الثالث عشر من أكتوبر، حين يتجدد الوعي العالمي بمخاطر الكوارث، يكتسب شعار هذا العام، ” القدرة على الصمود تبدأ من المنزل ” ، معنى بالغ العمق.
فالمنزل ليس سقفًا وجدرانًا فحسب، بل هو الحصن الأول للأسرة، وملاذ الأطفال، ومكان الطمأنينة الذي يعود إليه الإنسان حين تضيق به الحياة. وحين يصبح هذا الملاذ مهددًا بالفيضانات أو الزلازل أو العواصف أو موجات الحر الشديد، فإن الخطر لا يستهدف البناء وحده، بل يطال الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي للإنسان.
لذلك، فإن بناء مساكن آمنة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، واحترام المعايير الهندسية والبيئية، ونشر ثقافة الوقاية، ليست تفاصيل تقنية أو إجراءات إدارية عابرة ، إنها استثمار في الحياة، وحماية لكرامة الإنسان، ووفاء بحق الأجيال في العيش بأمان. فالوقاية التي قد لا يراها الناس حين تنجح، هي في حقيقتها أرواح أُنقذت، وبيوت بقيت، وعائلات لم تُجبر على تجرّع مرارة الفقد والنزوح.
وتزداد هذه المسؤولية إلحاحًا عندما نتذكر أن الفئات الأشد فقرًا والأقل قدرة على الوصول إلى المعلومات والخدمات غالبًا ما تكون الأكثر تعرضًا لمخاطر الكوارث.
فلا عدالة حقيقية حين يتمكن البعض من حماية منازلهم، بينما يُترك آخرون في مواجهة الأخطار بلا إمكانات أو وسائل إنذار أو حماية كافية. إن الصمود المجتمعي لا يُقاس بقوة المباني وحدها، بل بقدرة الدولة والمجتمع على حماية الأضعف، وضمان ألا تتحول الهشاشة الاقتصادية إلى حكم بالموت أو التشرد عند أول كارثة.
وإذا كانت حماية المنزل حماية للأسرة، فإن حماية البيئة هي حماية للبيت الأكبر الذي يجمعنا جميعًا : الأرض.
وهنا تتلاقى دلالات اليوم العالمي للحد من الكوارث مع رسالة يوم البيئة العربي، لأن تلوث المياه، وتراكم النفايات، والانبعاثات الصناعية، والتغير المناخي، واستنزاف الموارد الطبيعية ليست قضايا منفصلة عن حياة الإنسان، بل تهديدات مباشرة لصحة المجتمعات وأمنها الغذائي والمائي ومستقبل أبنائها.
إن البيئة ليست ترفًا فكريًا، ولا قضية مؤجلة إلى حين تحسن الظروف الاقتصادية ، إنها شرط أساسي للحياة والتنمية والاستقرار.
ولا يمكن أن نتحدث عن مستقبل عربي آمن فيما تتعرض مواردنا الطبيعية للاستنزاف، ومدننا لضغوط التلوث، ومجتمعاتنا لتداعيات التغير المناخي.
فالتنمية التي تهمل البيئة تبني حاضرًا هشًا على حساب المستقبل، والاقتصاد الذي يستنزف الطبيعة يبدد تدريجيًا مقومات استمراره.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الدور الذي يضطلع به مجلس وزراء الداخلية العرب، من خلال ما أقره من توصيات وتدابير لتعزيز السلامة المنزلية ، وترسيخ ثقافة الوقاية والحماية الذاتية ، فضلًا عن إقرار القانون العربي النموذجي لحماية وتنمية البيئة سنة 2002، واعتماد خطط للتوعية بمخاطر الجرائم الماسة بسلامة البيئة.
وهي جهود تؤكد أن الأمن بمفهومه الشامل لا يقتصر على مواجهة الجريمة وحماية الحدود، بل يمتد إلى صيانة حياة المواطن، وتأمين مسكنه، وحماية محيطه الطبيعي من كل ما يهدد سلامته.
وتحمل رسالة معالي الدكتور محمد بن علي كومان دعوة واضحة إلى الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن التعامل مع الكوارث بوصفها أزمات طارئة إلى إدارتها باعتبارها مسؤولية دائمة تتطلب التنسيق بين الحكومات ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني والأسر. فالكارثة قد تكون مفاجئة، لكن الاستعداد لها يجب ألا يكون كذلك، والمخاطر قد تتجاوز الحدود، لكن التعاون العربي قادر على تقليص آثارها حين تتوافر الإرادة وتتكامل الخبرات والإمكانات.
إننا اليوم بحاجة إلى ثقافة جديدة تجعل الوقاية سلوكًا يوميًا، واحترام البيئة مسؤولية مشتركة، والاستعداد للكوارث جزءًا من التربية والمواطنة. ثقافة يتعلم فيها الطفل كيف يحمي نفسه، وتدرك فيها الأسرة أهمية إجراءات السلامة، وتلتزم فيها المؤسسات بواجباتها، وتضع فيها الحكومات أمن الإنسان وحقه في بيئة سليمة في صدارة أولوياتها.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأعمق أن حماية الحياة لا تبدأ لحظة إطلاق صفارات الإنذار، بل قبلها بوقت طويل ، تبدأ بقرار مسؤول، ومعلومة صحيحة، ومنزل آمن، وبيئة مصانة، وتضامن لا يترك أحدًا وحيدًا في مواجهة الخطر.
فالأوطان لا تُقاس فقط بما تشيده من أبراج وطرقات ومشروعات ، بل بما توفره لأبنائها من أمان ، وبما تحفظه لهم من كرامة ، وبما تتركه للأجيال القادمة من أرض صالحة للحياة .
وحين نجعل حماية الإنسان والبيئة أولوية لا تقبل التأجيل، فإننا لا نستعد للكوارث فحسب، بل نبني مستقبلًا أكثر أمنًا وعدلًا ورحمة .
