38°C تونس
05/10/2026
الكشافة ليست مخيما … إنها صناعة إنسان .
متابعات

الكشافة ليست مخيما … إنها صناعة إنسان .

أكتوبر 5, 2026

الكويت – عرب 21 : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

حين تستضيف الكويت نحو 250 قيادة كشفية من 36 دولة من مختلف انحاء العالم ، فإنها لا تفتح أبوابها أمام مؤتمر كشفي فحسب ، وإنما تفتح مساحة أوسع للحوار حول الإنسان الذي نريد أن نصنعه ، والشباب الذي نريد أن نهيئه لعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة .
ومن هنا تأتي أهمية مؤتمر ” الحركة الكشفية بين التطوع والنشاط الاقتصادي ” ، الذي تنظمه جمعية الكشافة الكويتية بالتعاون مع الاتحاد الكشفي للبرلمانيين العرب والاتحاد العربي للرواد ، برعاية معالي وزير التربية المهندس سيد جلال الطبطبائي ، الذي افتتح أعمال المؤتمر، وبمشاركة قيادات كشفية عربية ودولية ، فيما أكد الدكتور عبدالله الطريجي ، رئيس مجلس إدارة جمعية الكشافة الكويتية ، أهمية تطوير العمل الكشفي واستقطاب الأجيال الجديدة .


لكن قيمة هذا اللقاء لا تكمن فقط في عدد المشاركين أو تنوع الدول الحاضرة ، وإنما في السؤال الذي يطرحه في لحظة دقيقة : كيف يمكن لحركة عمرها أكثر من قرن أن تحافظ على روحها ، وأن تتحدث في الوقت نفسه بلغة جيل يعيش في عالم مختلف تمامًا ؟ .
الكشافة ، في جوهرها ، ليست مخيمًا ولا رحلة ولا زيا موحدا . تلك مظاهرها الخارجية ، أما حقيقتها الأعمق فهي الإنسان الذي تصنعه .
إنها تعلم الفتى والفتاة كيف يعتمد كل منهما على نفسه ، وكيف يعمل ضمن مجموعة او فريق ، وكيف يتحمل المسؤولية ، وكيف يقود ، وكيف يبادر ، وكيف يمد يده إلى الآخر دون أن ينتظر مقابلا .
وهذه القيم، و على نحو متناقض ، لم تعد أقل أهمية في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ، بل ربما أصبحت أكثر إلحاحًا .
فالشاب يستطيع اليوم أن يصل إلى آلاف المعلومات خلال ثوان ، وأن يحمل في هاتفه من المعرفة ما لم يكن متاحًا لأجيال سبقتْه ، لكنه لا يستطيع أن يتعلم من الشاشة وحدها كيف يقود فريقا ، أو يتعامل مع الفشل ، أو يتخذ قرارا في لحظة صعبة ، أو يحول فكرة إلى مشروع ، أو يضع مصلحة المجموعة فوق مصلحته الشخصية .
وهنا بالضبط تكمن أهمية الكشافة .
فالربط بين التطوع والنشاط الاقتصادي لا يعني تحويل العمل التطوعي إلى مشروع تجاري ، وإنما يعني اكتشاف القيمة التي يمكن أن يصنعها التطوع في شخصية الإنسان وفي مستقبله المهني .
حين ينظم الشاب فعالية، فهو يتعلم التخطيط .
وحين يقود فريقا ، فهو يتعلم القيادة .
وحين يدير مبادرة ، فهو يتعلم المسؤولية.
وحين يواجه مشكلة ويبحث عن حل لها ، فهو يمارس عمليا ما يحتاج إليه لاحقا في الجامعة وسوق العمل وريادة الأعمال .
إن المخيم الكشفي يمكن أن يكون، في جوهره، مدرسة للحياة أكثر منه مجرد مكان للإقامة .
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الحركة الكشفية اليوم ليس أن تقنع الشباب بأنها مهمة ، وإنما أن تجعلهم يكتشفون بأنفسهم لماذا هي مهمة بالنسبة إلى مستقبلهم .
الجيل الجديد لا يبحث فقط عن نشاط يملأ أوقات الفراغ ، بل عن تجربة تمنحه معنى ، وتكشف مواهبه ، وتبني ثقته بنفسه، وتفتح أمامه أبواب المستقبل .
ومن هنا، فإن تطوير الحركة الكشفية يقتضي أن تتوسع برامجها لتلامس القيادة ، وريادة الأعمال ، والتكنولوجيا ، والاستدامة ، وإدارة الأزمات ، والعمل المجتمعي ، من دون أن تفقد البوصلة التي قامت عليها: الإنسان وخدمة المجتمع .
وتبدو الكويت مؤهلة للقيام بدور يتجاوز استضافة المؤتمرات والفعاليات ، من خلال المساهمة في بناء نموذج كشفي عربي قادر على الجمع بين الأصالة ومتطلبات المستقبل .

ويكتسب هذا الدور بعدا إضافيا مع إعلان استضافة الكويت للمؤتمر العالمي للرواد في أكتوبر 2027 ، بوصفها أول دولة عربية تستضيف هذا الحدث ، بما يعكس اتساع الحضور الكويتي في الحركة الكشفية عربيًا ودوليًا .
لكن الأهم أن تحافظ الحركة على جوهرها وهي تتقدم نحو المستقبل .
فليس المطلوب أن تتخلى الكشافة عن تاريخها حتى تجذب الشباب ، بل أن تستثمر هذا التاريخ لتصنع تجربة جديدة تليق بهم .
الكشافة التي عرفناها بالأمس يمكن أن تصبح اليوم مساحة لصناعة القادة، وحاضنة للمبادرات ، ومدرسة للمواطنة ، ومختبرًا للأفكار، وجسرًا بين العمل التطوعي والحياة المهنية .
وفي النهاية ، فإن النقاش الذي تحتضنه الكويت لا يتعلق بالكشافة وحدها .
إنه نقاش أوسع حول الإنسان الذي نريد أن نتركه للمستقبل .
هل نريد شابا يحفظ المعلومات فقط، أم شابًا يعرف كيف يستخدمها ؟.
هل نريد شابا ينتظر الفرص، أم شابا يصنعها؟.
هل نريد إنسانا يعيش لنفسه، أم إنسانًا يشعر بأن له مسؤولية تجاه مجتمعه ؟ .
هنا تصبح الكشافة أكثر من حركة شبابية .
تصبح فلسفة في بناء الإنسان.
ولهذا فإن نجاحها لن يقاس فقط بعدد المنتسبين إليها ، ولا بعدد المخيمات والأنشطة والمؤتمرات ، وإنما بما تتركه في نفوس أجيالها من قيم، وفي سلوكهم من أثر، وفي مجتمعاتهم من تغيير .
فالكشافة ليست مخيمًا…
وليست زيًا موحدا…
وليست نشاطا عابرا.
الكشافة، في جوهرها ، محاولة لصناعة إنسان يعرف كيف يعتمد على نفسه ، وكيف يعيش مع الآخرين ، وكيف يخدم مجتمعه ، وكيف يقود حين يحين وقت القيادة .
وحين تنجح في صناعة الإنسان ، فإنها تكون قد بدأت بالفعل في صناعة المستقبل .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *