38°C تونس
11/10/2026
محمد السادس يرسم ملامح المغرب الجديد .. من تنمية الجهات إلى ترسيخ السيادة الاقتصادية.
أراء وأفكار

محمد السادس يرسم ملامح المغرب الجديد .. من تنمية الجهات إلى ترسيخ السيادة الاقتصادية.

أكتوبر 9, 2026

عواصم – عرب 21 : بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في خطاب يضع التنمية الميدانية في قلب المرحلة المقبلة ، ويعيد ترتيب الأولويات بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية ، دعا العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى الانتقال من مركزية القرار إلى توسيع صلاحيات الجهات، وتسريع تنفيذ المشاريع الكبرى، وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات التي تعزز أمن المغرب المائي والطاقي والغذائي، وتدعم قدرته على مواجهة التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة.
الرسالة الملكية، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة، لا تقتصر على عرض برنامج حكومي أو تحديد قائمة من المشاريع، بل تطرح سؤالا جوهريا يتعلق بقدرة الدولة على تحويل طموحاتها الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين .
فالمغرب، الذي يسعى إلى ترسيخ موقعه قوة اقتصادية صاعدة وشريكا دوليا موثوقا ، يدرك أن بناء المستقبل لا يتحقق بالإعلان عن المشاريع وحده، وإنما بتوفير شروط تنفيذها، وتجاوز العراقيل الإدارية، وتوزيع ثمار التنمية على مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.
ومن هنا تبرز أهمية الدعوة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والجهات ، من خلال آليات واضحة للتنسيق والتعاقد، تمنح المؤسسات المحلية صلاحيات أوسع في اتخاذ القرار وتنفيذ البرامج.
فالتنمية لا يمكن أن تظل رهينة المسافة بين مراكز القرار والواقع اليومي للمواطنين ، كما لا يمكن اختزال دور الجهات في تنفيذ تعليمات تصدر من العاصمة من دون امتلاك الوسائل البشرية والمالية والإدارية الضرورية .
إن الرهان على الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري يمثل ، في هذا السياق ، اختبارا حقيقيا لقدرة المؤسسات على تجديد أساليب عملها . فالمطلوب ليس مجرد نقل الاختصاصات على الورق، بل نقل فعلي للصلاحيات والموارد، وتحديد دقيق للمسؤوليات ، وإرساء منظومة للمحاسبة تقيس الأداء بالنتائج .
وحين تتمكن الجهات من معالجة مشكلاتها وفق خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية، تصبح التنمية أكثر التصاقا بحاجات السكان، وتغدو الاستثمارات أكثر قدرة على خلق القيمة وفرص العمل .
وقد كان لافتا تشديد الملك محمد السادس على أن التأخير والاختلالات التي تعرقل اللامركزية واللاتمركز الإداري لم تعد مقبولة، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على البرامج الاقتصادية والاجتماعية وعلى ثقة المواطنين في المؤسسات.
وهي رسالة تضع الإدارة أمام مسؤولية الانتقال من منطق الإجراءات الطويلة وتداخل الاختصاصات إلى ثقافة المبادرة والنجاعة، حيث لا تكون البيروقراطية عائقا أمام التنمية، ولا تتحول الصلاحيات غير الواضحة إلى ذريعة لتعطيل المشاريع.
وفي موازاة هذا الإصلاح المؤسساتي ، يطرح الخطاب أفقا اقتصاديا يقوم على تسريع إنجاز البنية التحتية وإطلاق استراتيجيات جديدة في قطاعات ترتبط مباشرة بسيادة الدولة وقدرتها على الصمود .
فالأمن المائي والطاقي والغذائي لم يعد شأنا قطاعيا محدودا، بل أصبح جزءا من الأمن الوطني في عالم تتزايد فيه تقلبات الأسواق، وتتعرض فيه سلاسل التوريد للصدمات ، وتفرض التحولات المناخية والاقتصادية تحديات متنامية على الدول.
لذلك، فإن تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية يمثلان امتدادا ضروريا لسياسة التنمية .
فالدولة التي تستثمر في بنيتها التحتية وصناعتها واقتصادها الرقمي، وتعمل على تنويع مصادر حاجاتها الأساسية، تعزز قدرتها على حماية مصالحها وتقليص تعرضها للأزمات الخارجية.
كما أن إدماج الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في الدورة الاقتصادية يفتح المجال أمام رفع الإنتاجية، وتحسين الخدمات، وتطوير قطاعات جديدة قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.
غير أن هذه الطموحات لا يمكن أن تتحقق بالاعتماد على القطاع العام وحده. ولهذا دعا العاهل المغربي القطاع الخاص إلى الارتقاء بدوره، ليصبح فاعلا استراتيجيا في التحول التنموي، وأكثر استعدادا للمبادرة والابتكار والاستثمار والتصدير وخلق فرص العمل. فاقتصاد المستقبل يحتاج إلى شراكة تقوم على تكامل الأدوار بين الدولة والمؤسسات الخاصة، وعلى توجيه الاستثمار نحو الإنتاج والابتكار، بدلا من الاكتفاء بالأنشطة محدودة القيمة المضافة.
وتظل مسألة التشغيل إحدى أهم حلقات هذا التحول ، لأن النمو الاقتصادي يفقد كثيرا من أثره الاجتماعي إذا لم ينعكس على فرص العمل وتحسين ظروف العيش .
ومن هنا تأتي أهمية ربط السياسات الاقتصادية بحاجات الشباب، ووضع التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي في صدارة الأولويات ، بما يضمن تكافؤ الفرص ويعزز الثقة في إمكانات الارتقاء الاجتماعي.
فالرهان على الشباب لا يتحقق بالخطاب وحده، وإنما بسياسات تفتح أمامهم أبواب المشاركة والإنتاج والمبادرة ، وتمنحهم فرصا حقيقية لبناء مستقبلهم داخل وطنهم .
كما أن استعادة الثقة بين الأجيال والمؤسسات ترتبط بقدرة الدولة على تحقيق نتائج ملموسة، وتكريس الإحساس بالإنصاف، وتوسيع المجال أمام الكفاءات الشابة للمساهمة في التنمية.
وفي هذا الإطار ، تبدو العدالة المجالية مكمّلة للعدالة الاجتماعية ، إذ لا يكفي أن تتحسن المؤشرات الاقتصادية العامة إذا ظلت بعض المناطق تعاني ضعف الخدمات أو محدودية الاستثمار أو نقص فرص العمل . فالتنمية المندمجة تقتضي أن يكون لكل جهة نصيب من المشاريع والموارد والفرص ، وفق حاجاتها وإمكاناتها ، وأن تتقلص الفجوات بين المناطق حتى لا تتحول الجغرافيا إلى عامل يحدد حظوظ المواطنين في التعليم والصحة والتشغيل.
ويمتد البعد الاستراتيجي للخطاب إلى السياسة الخارجية ، حيث أكد الملك محمد السادس مكانة المغرب شريكا مسؤولا وموثوقا، يحرص على الوفاء بالتزاماته وينتظر من شركائه المعاملة نفسها.
وقد توقف عند التعاون في مجال الهجرة، معتبرا أن النموذج الحالي أصبح متجاوزا، وأن الأزمات المتكررة تستدعي مقاربة جديدة تأخذ في الاعتبار التحولات القانونية والإنسانية والأمنية، وتحد من استغلال المهاجرين من قبل شبكات الاتجار بالبشر .
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في العلاقة مع إسبانيا ، بالنظر إلى المصالح المشتركة والتطور الذي عرفته الشراكة بين البلدين .
فإدارة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تتحمل مسؤوليتها دولة واحدة، كما لا يمكن أن تستقيم في ظل اختلاف المقاربات أو غياب التنسيق الفعال. وهي تحتاج إلى تعاون متوازن يجمع بين حماية الحدود واحترام الالتزامات القانونية والحقوق الأساسية، ويعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع إلى الهجرة، ويواجه الشبكات الإجرامية التي تستثمر في هشاشة المهاجرين.
وفي تأكيد واضح لرفض تحويل الشراكات إلى وسيلة للضغط، شدد العاهل المغربي على أن التعاون اختيار سيادي والتزام إرادي، وليس مجالا للتهديد أو الابتزاز . وأعلن عن توجه لتقديم وثيقة استراتيجية إلى الشركاء، ترسم رؤية عملية لتجديد التعاون وتعزيز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
وهنا تتكامل أبعاد الخطاب: إصلاح داخلي يعيد توزيع الصلاحيات ويقرب القرار من المواطنين، وتحول اقتصادي يعزز الإنتاج والأمن الاستراتيجي، وسياسة اجتماعية تضع الشباب والعدالة المجالية في صلب الأولويات، ودبلوماسية تسعى إلى حماية المصالح الوطنية ضمن شراكات متوازنة.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل هذه التوجهات إلى برنامج قابل للقياس والتنفيذ ، بآجال محددة ومسؤوليات واضحة ومؤشرات تتيح للمواطنين متابعة ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك .
فالمشاريع الكبرى تمنح الدول آفاقا واسعة، لكن أثرها النهائي يتحدد بقدرتها على تحسين الحياة اليومية، وتوفير فرص العمل، وتقليص الفوارق، وتعزيز الثقة في المؤسسات.
وبهذا المعنى، فإن الدعوة الملكية إلى جعل العمل الميداني معيارا للمرحلة المقبلة تحمل دلالة تتجاوز الإدارة المحلية إلى فلسفة الحكم والتنمية برمتها : فالدولة لا تقاس فقط بحجم مشاريعها أو طموح استراتيجياتها، بل أيضا بقدرتها على الاستماع إلى مواطنيها، والاستجابة لمشكلاتهم، وتحويل مواردها وإمكاناتها إلى نتائج يشعر بها الناس في مناطقهم وأحيائهم.
إن طموح المغرب إلى ترسيخ مكانته قوة اقتصادية صاعدة يمر، في نهاية المطاف، عبر معادلة تجمع بين النجاعة الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي، وبين قوة الدولة وفعالية الجهات، وبين الانفتاح على الشراكات الدولية وصيانة القرار السيادي. أما نجاح هذه المعادلة، فسيظل مرتبطا بمدى الالتزام بالتنفيذ، لأن التنمية لا تُقاس بما يُعلن عنها، بل بما تنجزه على أرض الواقع .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *