38°C تونس
05/11/2026
سلطان القاسمي … حين يصنع العظماء مجدهم من نور العلم وعطاء الإنسانية .
أراء وأفكار

سلطان القاسمي … حين يصنع العظماء مجدهم من نور العلم وعطاء الإنسانية .

نوفمبر 4, 2026

بقلم: أبوبكر الصغير .

هناك شخصيات لا تُقاس مكانتها بما تتولاه من مناصب، ولا بما تحققه من إنجازات عابرة، بل بما تتركه من آثار عظيمة في حياة الإنسان، وما تبنيه من جسور بين الحضارات ، وما تحفظه للأجيال من ذاكرة ومعرفة .
ومن هذه الشخصيات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي جعل من الثقافة والعلم وخدمة الإنسان عنوانا بارزا لمسيرته الزاهرة الممتدة ، ومن المعرفة مشروعا حضارياً يتجاوز حدود الجغرافيا والأجيال .
في امارة الشارقة، لم تكن التنمية مجرد عمران ومؤسسات ومشروعات اقتصادية، بل ارتبطت برؤية تضع الإنسان في قلب البناء، وتمنح الثقافة مكانتها في صناعة المستقبل. فمنذ توليه سموه الحكم عام 1972، ارتبط اسم الشيخ سلطان القاسمي بمسيرة عظيمة و زاخرة و طويلة من العمل في التعليم والبحث العلمي ورعاية الآداب والفنون وصون التراث، حتى أصبحت الشارقة حاضرة ثقافية تستقطب المبدعين والمفكرين والباحثين من مختلف أنحاء العالم .
ولعل أجمل ما يميز هذه المسيرة أن صاحبها لم يكتف برعاية المعرفة من موقع المسؤولية ، بل اختار أن يكون واحدا من صُنّاعها ، باحثا ومؤرخا ومؤلفا و مبدعا ، مدركا أن الأمم التي لا تحفظ تاريخها تفقد جزءاً من هويتها ، وأن الحضارات لا تُصان بالشعارات، وإنما بالوثائق والتحقيق والبحث العلمي الأمين .
ويأتي إعلان سموه عن إطلاق جائزة هارون الرشيد الدولية في العلوم والآداب والفنون والأعلام ليضيف صفحة مجد جديدة إلى هذا المشروع الثقافي .
فالجائزة، التي أُنشئت بمرسوم أميري، تحمل دلالة حضارية عميقة، من خلال استحضار اسم شخصية تاريخية ارتبط عصرها بازدهار العلوم والآداب والفنون ، وتكريم أربع شخصيات سنويا قدمت إسهامات متميزة في البحث والدراسة والتأليف ، وأثرت المكتبة العربية بما ينفع الباحثين والقراء .
إنها مبادرة إنسانية حضارية عظيمة تتجاوز فكرة التكريم إلى تأسيس تقليد معرفي يحتفي بالعقول المبدعة، ويعيد الاعتبار إلى العلماء والمفكرين والأدباء والفنانين ، ويؤكد أن الاستثمار في المعرفة هو من أرقى أشكال الاستثمار في مستقبل الإنسانية .
غير أن ما يكشف عن عمق هذا الشغف بالمعرفة هو إعلان سموه عن موسوعته التاريخية الضخمة ” البرتغاليون في المحيط الهندي.. أحداث في حوليات من 1497م إلى 1750م ” ، التي تمتد على 61 مجلدا باللغتين العربية والإنجليزية، بعد مشروع بحث وتوثيق استغرق نحو 37 عاما من العمل والتحري وجمع المصادر والوثائق التاريخية .
نحن هنا أمام عمل اكاديمي علمي استثنائي و عظيم في حجمه ومنهجه، يتناول تاريخ الحضور البرتغالي في المحيط الهندي ، ويرصد الأحداث والتحولات والصراعات والطرق التجارية ، مستندا إلى وثائق ومخطوطات أصلية، من بينها وثائق المكتبة البريطانية.
وقد خُصص المجلد الحادي والستون للفهرسة والشروح وأسماء الملوك والوزراء والمصطلحات، تيسيرا و تسهيلاً لمهمة الباحثين للوصول إلى المعلومات.
والأكثر دلالة في هذه المبادرة أن صاحب السمو أعلن إتاحة المواد والوثائق المرتبطة بهذا المشروع مجانا عبر موقعه الرسمي ، حتى تكون في متناول الباحثين والدارسين .
وهنا تتجلى فلسفة العطاء في أرقى صورها : أن تتحول ثمرة عقود من البحث الشخصي إلى رصيد معرفي مفتوح ، وأن تصبح الوثيقة التاريخية ملكا للباحثين والإنسانية ، لا مجرد إنجاز يحتفظ به صاحبه لنفسه .
ولا يمكن الحديث عن مآثر صاحب السمو الشيخ سلطان القاسمي دون التوقف عند اهتمامه بالتعليم والجامعات والمؤسسات العلمية ، ورعايته للمسرح والفنون واللغة العربية ، وإسهاماته في دعم البحث العلمي والتبادل الثقافي بين الشعوب.
فقد ارتبط اسم سموه بمؤسسات جامعية وثقافية وإنسانية، وبمبادرات جعلت من الشارقة فضاءً للمعرفة والحوار والتواصل الحضاري، كما امتدت عنايته إلى العمل الإنساني والاجتماعي ورعاية الفئات التي تحتاج إلى الدعم والتمكين.
وليس غريبا أن يحظى هذا المشروع الحضاري بتقدير مؤسسات أكاديمية وثقافية دولية، وأن تتعدد الأوسمة والتكريمات التي نالها تقديراً لإسهاماته في التعليم والثقافة والحوار بين الحضارات .
إن عظمة التجربة التي يقدمها حاكم الشارقة تكمن في أنها تذكّرنا بأن ثروة الأمم الحقيقية ليست في ما تمتلكه من موارد فحسب، وإنما في ما تنتجه من معرفة، وما تحميه من ذاكرة، وما تتيحه من فرص للأجيال القادمة.
فبناء جامعة، ورعاية كتاب، وتكريم عالم، وحفظ وثيقة، ودعم إنسان، كلها أعمال قد تبدو مختلفة في أشكالها، لكنها تلتقي في غاية واحدة : الارتقاء بالإنسان وصناعة مستقبل أكثر إشراقاً.
من هنا، فإن جائزة هارون الرشيد الدولية والموسوعة التاريخية الجديدة ليستا مجرد إعلان عن مبادرتين ثقافيتين ، بل هما امتداد لرؤية تؤمن بأن الحضارة فعل تراكمي ، وأن العطاء الحقيقي لا ينتهي بانتهاء صاحبه ، بل يستمر بما يتركه من علم وأثر ومعرفة .
تحية تقدير لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي اختار أن يضيف إلى رصيد الشارقة العمراني رصيداً من الفكر والثقافة، وأن يجعل من خدمة المعرفة رسالة، ومن صون التاريخ مسؤولية، ومن العطاء الإنساني قيمة تتجاوز الحدود .
فثمة رجال يتركون وراءهم شعارات و خطبا ، وثمة رجال يتركون وراءهم معارف و مؤسسات وذاكرة للأجيال .
أما أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان، فهو أثر ينفع الناس ويظل حاضرا في حياة من لم يلتقوا به، ولم يعاصروه، لكنهم سيجدون في عطائه ما يضيء طريقهم إلى المستقبل .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *