ٍبقلم – ابوبكر الصغير.
ليست كل الزلازل تهزّ الأرض . فبعضها يهزّ الخرائط السياسية ، ويغيّر موازين الصراع ، ويعيد رسم صورة أطراف ظلت لعقود تتحرك في المنطقة الرمادية بين السياسة والعمل المسلح .
هذا ما يحدث اليوم في واشنطن.
فما كان قبل أشهر مجرد مبادرة تشريعية محدودة ، أصبح اليوم يكتسب زخما متصاعدا داخل الكونغرس الأميركي ، مع اتساع دائرة النواب المؤيدين لمشروع القانون الرامي إلى تصنيف جبهة ” البوليساريو ” منظمة إرهابية. ومع كل نائب جديد ينضم إلى المبادرة ، يزداد ثقل الرسالة السياسية التي توجهها المؤسسة التشريعية الأميركية ، ليس فقط إلى الجبهة ، بل إلى كل من يراهن على استمرار الوضع القائم .
إن انضمام نواب جمهوريين جدد إلى المشروع الذي يقوده النائب الجمهوري جو ويلسون والنائب الديمقراطي جيمي بانيتا ، وارتفاع عدد الداعمين إلى خمسة عشر عضوا ، بالتوازي مع تحرك مماثل داخل مجلس الشيوخ بقيادة السيناتور تيد كروز ، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رقم إضافي في سجل المؤيدين ، بل هو مؤشر على أن فكرة التصنيف لم تعد هامشية ، وإنما بدأت تتحول إلى قضية تحظى باهتمام متزايد داخل أروقة القرار الأميركي .
وتزداد أهمية هذا المسار في ظل المواقف الأميركية التي أعقبت الهجمات التي استهدفت مدينة السمارة ، والتي أدانتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، معتبرة استهداف المناطق المدنية أمرا مرفوضا تماما . وهي مواقف أسهمت في منح هذا النقاش بعدا سياسيا وأمنيا أكبر.
وبالنسبة للمغرب ، فإن هذا التطور يحمل دلالات عميقة تتجاوز البعد التشريعي و القانوني .
فهو يعكس تناميا في القناعة داخل دوائر مؤثرة في الولايات المتحدة الأمريكية بأن أمن المنطقة واستقرارها لا يمكن أن ينفصلا عن مواجهة كل أشكال العنف ، وأن قضية الصحراء المغربية لم تعد تُقرأ فقط من زاوية النزاع الإقليمي ، بل أيضا من زاوية الأمن والاستقرار ومكافحة التهديدات العابرة للحدود .
لقد عملت الدبلوماسية المغربية بنجاح ، على مدى سنوات ، و بصبر و بثبات ، على بناء شبكة واسعة من الشراكات والثقة مع القوى الدولية ، مستندة إلى رؤية واضحة وإلى مصداقية متنامية في قضايا الأمن الإقليمي والتعاون الدولي .
واليوم تبدو ثمار هذا الجهد أكثر وضوحا من أي وقت مضى ، مع اتساع دائرة الأصوات داخل الولايات المتحدة التي تتبنى مقاربة أكثر تشددا تجاه جبهة البوليساريو .
قد لا يكون مشروع القانون قد بلغ محطته النهائية بعد ، لكن مجرد وصوله إلى هذه المرحلة ، واستمرار توسّع مؤيديه داخل مجلسي النواب والشيوخ، يمثل في حد ذاته تحولا سياسيا بالغ الأهمية.
إنها لحظة تكشف أن المعارك الكبرى لم تعد تُحسم فقط في الميدان، بل أيضاً في البرلمانات، وفي مراكز صنع القرار، وفي قدرة الدول على كسب معركة الشرعية الدولية.
وإذا استمر هذا الزخم، فقد يكون الكونغرس الأميركي بصدد كتابة فصل جديد في واحدة من أكثر قضايا المنطقة تعقيدا ، فصل قد يعيد تعريف طبيعة التعاطي الدولي مع البوليساريو ، ويشكل في المقابل مكسبا سياسيا ودبلوماسيا مهما للمغرب في دفاعه عن وحدته الترابية وصحرائه المغربية و حقوقه المشروعة التي لا ينازعه فيها الاّ عدو لا يريد خيرا لهذه المنطقة .


