تونس 31°C

14 جويلية 2026

تونس 38°C

14 جويلية 2026

هرمز … الحرب على الممرات لا على الحدود .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليست كل الحروب تخاض لاحتلال أرض ، ولا كل الصواريخ تُطلق لإسقاط انظمة .
ثمة حروب تدور حول سؤال أكثر بساطة في صياغته ، وأكثر خطورة في عواقبه و نتائجه : من يملك السيطرة على شريان الاقتصاد العالمي فعلا ؟.
ذلك جوهر الصراع الدائر اليوم في مضيق هرمز .
فالضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران ليست سوى الواجهة العسكرية لمعركة أعمق تتعلق بإعادة رسم موازين القوة في الخليج .
وما يبدو مواجهة أمنية وعسكرية، يخفي في حقيقته صراعًا على النفوذ البحري ، وعلى حق فرض القواعد في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم .
لم تكد الهدنة تصمد حتى عادت المنطقة إلى دوامة التصعيد.
واشنطن تؤكد أنها تتحرك دفاعا عن حرية الملاحة الدولية ، فيما تصر طهران على أنها تحمي سيادتها وحقوقها في المياه المحاذية لسواحلها .
وبين الروايتين ، تبقى الحقيقة واحدة : من يمتلك التأثير في مضيق هرمز ، يمتلك إحدى أقوى أوراق الضغط في النظام الدولي .
فالمضيق لم يعد مجرد ممر تعبره ناقلات النفط ، بل تحول إلى ورقة جيوسياسية ، وأداة ردع ، وسلاح اقتصادي ، ومفتاح للتأثير في أسواق الطاقة العالمية .
ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإيراني على أن مرحلة ما بعد الحرب لا يمكن أن تعيد هرمز إلى ما كان عليه . فالعقوبات أضعفت كثيرا من أدوات القوة الإيرانية ، لكن الجغرافيا بقيت السلاح الذي يصعب انتزاعه .
وأحيانًا، تكون بضعة كيلومترات بحرية أكثر تأثيرا من آلاف الصواريخ .
في المقابل ، تدرك الولايات المتحدة أن أي اعتراف عملي بحق إيران في فرض قواعد جديدة داخل المضيق سيعني تكريس نفوذ إقليمي دائم لها ، وهو ما تعتبره واشنطن مساسا بأسس النظام الأمني الذي قادته في الخليج لعقود .
زلذلك لم يقتصر الموقف الأمريكي على رفض أي قيود أو رسوم على الملاحة ، بل تطور إلى طرح أكثر طموحا يقوم على أن تتولى الولايات المتحدة بنفسها حماية المضيق .
وفي هذا السياق ، جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لافتا حين تحدث عن إمكانية أن تتولى بلاده حماية مضيق هرمز مقابل رسوم تدفعها السفن العابرة ، في تصور يجعل من الولايات المتحدة “ حارسا للمضيق ”. وهو طرح لا يعكس رؤية أمنية فحسب ، بل يكشف أيضًا عن تصور اقتصادي واستراتيجي يسعى إلى تثبيت واشنطن باعتبارها المرجعية الأمنية الوحيدة للملاحة في منطقة الخليج .
وهنا تتجلى حقيقة الصراع . فإيران لا تبدو معنية بإغلاق مضيق هرمز ، لأن إغلاقه سيصيبها كما يصيب الآخرين ، لكنها تسعى إلى امتلاك القدرة على التحكم في معادلاته . وهناك فارق جوهري بين الإغلاق والسيطرة ، فالأول عمل انتحاري اقتصادي ، أما الثانية فهي ورقة تفاوض تمنح صاحبها نفوذا سياسيا واستراتيجيا بالغ التأثير .
لهذا تحرص طهران على إيصال رسالة واضحة مفادها أن هرمز بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها ، فيما ترد واشنطن برسالة لا تقل وضوحا : لن نسمح بتحويل المضيق إلى أداة ابتزاز سياسي أو اقتصادي ، أو إلى منصة لإعادة صياغة ميزان القوى في الخليج .
وبين هاتين الرؤيتين ، تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد .
فهي تعتمد بصورة شبه كاملة على المضيق لتصدير نفطها وضمان استقرار اقتصاداتها ، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في أن يتحول إلى ساحة صراع مفتوح بين مشروعين متنافسين ، أحدهما يسعى إلى تكريس الهيمنة الأمنية الأمريكية ، والآخر يعمل على فرض واقع جيوسياسي جديد تقوده إيران .
ومن هنا تكتسب الوساطات التي تقودها كلّ من سلطنة عُمان وقطر ، إلى جانب جهود إقليمية ودولية أخرى ، أهمية استثنائية ، لأنها لا تستهدف وقف إطلاق النار فحسب ، بل تسعى إلى منع تحول مضيق هرمز إلى بؤرة توتر دائمة ، وهو ما ستكون له تداعيات تتجاوز الخليج لتطال الاقتصاد العالمي بأسره .
لقد كشفت هذه الأزمة أن حروب القرن الحادي والعشرين لم تعد تُحسم بعدد المدن التي تُحتل ، بل بعدد الممرات الاستراتيجية التي تُسيطر عليها الدول . فمن يملك المضائق ، يمتلك قدرة استثنائية على التأثير في أسعار الطاقة ، ومسارات التجارة ، وحتى في قرارات العواصم الكبرى .
لذلك، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران ، بل صراع على هندسة النظام البحري والاقتصادي في المنطقة لعقود مقبلة .
إنها حرب على الممرات أكثر منها حربا على الحدود، ومعركة على الجغرافيا أكثر منها معركة على الأرض .
ويبقى السؤال الذي سيحدد شكل الخليج في السنوات القادمة ليس : من انتصر في الميدان؟ ، بل : من سيكتب قواعد الملاحة والنفوذ في مضيق هرمز عندما تصمت المدافع ؟.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية