تونس 40°C

17 جويلية 2026

تونس 38°C

17 جويلية 2026

حين انحنى الملك أمام لامين يامال !

-عواصم – عرب21:

في برلين، المدينة التي شهدت تتويج إسبانيا بلقب بطولة أوروبا، لم يكن أكثر المشاهد خلودا رفع الكأس أو احتفالات اللاعبين ، بل تلك اللحظة الإنسانية التي انحنى فيها الملك فيليبي السادس ليحتضن الفتى لامين يامال ، أصغر لاعبي المنتخب الإسباني .
لم يكن انحناء بروتوكوليا، بل اعترافا صامتا بأن المستقبل يقف أمامه .
فالملوك نادرا ما ينحنون ، لكنهم حين يفعلون أمام موهبة يافعة ، فإنهم لا يكرمون لاعبا فحسب ، بل يكرمون فكرة .
فكرة أن الأمم العظيمة تبني مجدها حين تؤمن بشبابها ، وأن الاستثمار الحقيقي ليس في الحاضر وحده ، بل في الأجيال القادمة .
في تلك الليلة ، لم تحتفل إسبانيا ببطولة أوروبا فقط ، بل احتفلت بميلاد جيل جديد يحمل راية كرة القدم الإسبانية بثقة واقتدار . وكان لامين يامال ، ابن السادسة عشرة ، العنوان الأبرز لهذا التحول ، بعدما أثبت أن العمر ليس مقياسًا للعطاء ، وأن الموهبة حين تجد من يؤمن بها ، تختصر سنوات طويلة من الانتظار .
ولامين يامال ليس مجرد نجم صاعد ، بل هو صورة لإسبانيا الحديثة ، شاب من أصول مغربية وغينية استوائية ، احتضنته أكاديمية ” لا ماسيا ” ، فصقلت موهبته ، وفتحت أمامه الطريق ليصبح أحد أبرز المواهب في العالم . واختياره تمثيل المنتخب الإسباني ، مع اعتزازه الدائم بجذوره ، يؤكد أن الهوية ليست صراعا بين الانتماءات ، بل قدرة على الجمع بينها في إطار من الوفاء للوطن الذي منح الفرصة.
لقد أثبتت التجربة الإسبانية أن البطولات لا تُبنى بالحظ ، ولا تُصنع في تسعين دقيقة ، بل هي ثمرة مشروع طويل يقوم على اكتشاف المواهب ، ورعايتها ، ومنحها الثقة قبل أن تمنحها الشهرة .
وما يقدمه هذا الجيل يؤكد أن إسبانيا لا تعتمد على نجم استثنائي ، بل على منظومة رياضية تعرف كيف تصنع النجوم ، ثم تتركهم يضيئون سماء اللعبة .
ولهذا تجاوزت صورة الملك في برلين حدود الرياضة ، لتصبح رسالة سياسية ومجتمعية في آن واحد .
رسالة تقول لكل شاب إن وطنه يراه ، ويقدّر جهده ، ولا يتردد في الاحتفاء بإنجازه مهما كان سنه أو أصله الاجتماعي. إنها صورة تختصر فلسفة القيادة التي لا ترى في الشباب مستقبلًا مؤجلًا، بل حاضرًا يستحق الثقة .
ومع هذا الجيل الموهوب ، تبدو كرة القدم الإسبانية مقبلة على مرحلة جديدة من التألق . وإذا واصل لاعبوه النمو بنفس الطموح والانضباط، فإن ” لا روخا ” لن يكون مجرد منافس على الألقاب ، بل مرشحا دائما للوقوف على قمة كرة القدم العالمية .
ولعل أجمل ما تركته برلين لم يكن الكأس وحدها ، بل تلك الصورة التي سيحتفظ بها التاريخ طويلا : ملك ينحني أمام فتى في السادسة عشرة ، لأن الأمم الواثقة من مستقبلها تعرف أن احترام الموهبة ليس انتقاصا من الهيبة ، بل هو أسمى تجلياتها . ففي تلك اللحظة ، لم ينحن الملك أمام لاعب ، بل أمام مستقبل إسبانيا .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية