تونس 40°C

17 جويلية 2026

تونس 38°C

17 جويلية 2026

بدور القاسمي … حين يصبح الكتاب جواز سفر الحضارات .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليست كل الأوسمة تُعلَّق على الصدور ، فبعضها يُمنح لمسيرةٍ كاملة ، ولرؤية آمنت بالإنسان قبل أي شيء آخر .
هكذا جاء منح الجمهورية الإيطالية سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي ، وسام الاستحقاق للجمهورية الإيطالية برتبة ” ضابط ” ، أحد أرفع الأوسمة الوطنية الإيطالية ، تكريماً لمسيرة جعلت من الثقافة أداة للدبلوماسية ، ومن الكتاب جسرا بين الشعوب ، ومن المعرفة مشروعا دائما للسلام .
فالوسام الذي سُلِّم لسموها في مراسم رسمية ، بحضور سمو الشيخ سلطان بن أحمد بن سلطان القاسمي ، نائب حاكم الشارقة ، ونيابة عن الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ، لم يكن احتفاء بإنجاز ثقافي عابر ، بل اعترافا دوليا بمشروع حضاري امتد لأكثر من عقدين ، أعاد تعريف مفهوم القوة الناعمة من خلال أفعال ومبادرات تركت بصمتها في العالم العربي وخارجه .
لقد أدركت بدور القاسمي ، منذ بداياتها ، أن الكتاب ليس مجرد منتج ثقافي ، بل وسيلة لبناء الثقة بين الأمم .
فالحوار الحقيقي ، في نظرها ، لا يبدأ على موائد السياسة ، بل بين رفوف المكتبات ، وفي صفحات الكتب ، وفي عيون طفل يكتشف العالم لأول مرة عبر القراءة .
ومن هذا الإيمان انطلقت رحلة طويلة جعلت الثقافة مساحة للتقارب لا ساحة للاختلاف .
ولعل هذا ما يفسر المكانة التي بلغتها عالميا ، حين أصبحت أول امرأة عربية تُنتخب رئيسة للاتحاد الدولي للناشرين منذ تأسيسه عام 1896 .
لم يكن ذلك انتصارا شخصيا ، بل اعترافا دوليا بحضور عربي متنام في صناعة المعرفة ، وبقدرة المرأة العربية على قيادة واحدة من أهم المؤسسات الثقافية في العالم .
وخلال رئاستها للاتحاد ، لم تنشغل بالمظاهر البروتوكولية ، بل قادت نقاشات عالمية حول حرية النشر ، وحق الجميع في الوصول إلى المعرفة ، وتعزيز التنوع والشمول في صناعة الكتاب ، مؤكدة أن الثقافة ليست امتيازا للنخب ، بل حق إنساني يجب أن يكون متاحاً للجميع .
ولأن الأفكار لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى مؤسسات ، أسهمت في بناء منظومة ثقافية متكاملة داخل دولة الإمارات .
فمن جمعية الناشرين الإماراتيين ، إلى المجلس الإماراتي لكتب اليافعين، ومؤسسة ” ثقافة بلا حدود ” ، ومجموعة ” كلمات ” للنشر، وصولاً إلى منصة PublisHer العالمية الداعمة للمرأة في قطاع النشر ، كانت تضع لبنة فوق أخرى في مشروع استراتيجي يجعل من الثقافة صناعة للمستقبل ، لا نشاطا موسميا .
كما لعبت دورا محوريا في ترسيخ مكانة الشارقة عاصمة عالمية للكتاب والنشر ، وأسهمت في تحويلها إلى ملتقى للمؤلفين والناشرين والمفكرين من مختلف أنحاء العالم ، قبل أن يتوج هذا المسار بإنشاء ” بيت الحكمة ” ، الذي أعاد تعريف المكتبة الحديثة بوصفها فضاء للإبداع والمعرفة والحوار .
غير أن ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها هو بعدها الإنساني . فالثقافة، بالنسبة إلى بدور القاسمي ، لا تكتمل إذا بقيت حبيسة القاعات والمعارض .
ومن خلال مؤسسة ” كلمات ” ومبادرة ” تبنّ مكتبة ” ، أوصلت الكتب إلى الأطفال اللاجئين والنازحين ، وأسهمت في توفير مؤلفات باللغة العربية وباللغتين العربية والإيطالية ، إيمانا منها بأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل ، بل وعاء للهوية ، وجسر يحفظ الانتماء .
وامتدت مبادراتها إلى دعم إعادة تأهيل المكتبات التي تضررت إثر انفجار مرفأ بيروت ، وتعزيز وصول المكفوفين وضعاف البصر إلى المعرفة ، انطلاقا من قناعة راسخة بأن العدالة الثقافية لا تقل أهمية عن العدالة الاجتماعية، وأن الحق في القراءة هو أحد وجوه الكرامة الإنسانية .
ولعل هذا الإيمان هو ما جعل علاقتها بإيطاليا تتجاوز حدود التعاون الثقافي التقليدي .
فقد حرصت على حضور معرض بولونيا الدولي لكتاب الطفل ، وأسهمت في تعريف القارئ الإيطالي بالأدب العربي ، كما قدمت للأطفال الإيطاليين كتابها ” بيت الحكمة ” ، الذي يعرّف الأجيال الجديدة بإحدى أعظم محطات الحضارة العربية والإسلامية ، بلغة قريبة من وجدانهم .
وفي كلمتها عقب تسلم الوسام ، استحضرت بدور القاسمي جذور هذه الرحلة ، مؤكدة أن والدها ، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ، غرس فيها منذ طفولتها الإيمان بأن الكتاب يبني الجسور بين البشر ، وأن الحوار بين الثقافات هو الطريق الأقصر إلى السلام .
وهي كلمات لا تلخص خطابا عابرا ، بقدر ما تختصر فلسفة حياة كاملة .
لهذا، لا يبدو الوسام الإيطالي مجرد تكريم لشخصية إماراتية بارزة ، بل احتفاء بفكرة أثبتت نجاحها : أن الثقافة قادرة على تحقيق ما تعجز عنه السياسة أحيانا ، وأن كتابا واحدا قد يفتح بين شعبين نافذة أوسع مما تفتحه عشرات الاتفاقيات الرسمية .
وفي عالم يزداد انقساما واستقطابا ، تقدم بدور القاسمي نموذجا مختلفا للقيادة ، قيادة تستثمر في الإنسان قبل الحجر ، وتؤمن بأن صناعة المستقبل تبدأ من قارئ ، وأن مكتبة عامرة قد تكون أكثر أثرا من أي خطاب سياسي .
إن قصة بدور القاسمي ليست قصة امرأة حصدت الأوسمة ، بل قصة مشروع عربي آمن بأن المعرفة هي القوة الأكثر بقاء ، وأن الكتاب ، حين يجد من يحمله بإخلاص، لا يحتاج إلى جواز سفر ليعبر الحدود، لأنه يصل إلى القلوب قبل أن يصل إلى الأوطان .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية