38°C تونس
17/10/2026
الحوثيون و إيران … حين تتحوّل الشعارات إلى خراب وتهديد للأراضي المقدسة .
أراء وأفكار

الحوثيون و إيران … حين تتحوّل الشعارات إلى خراب وتهديد للأراضي المقدسة .

أكتوبر 17, 2026

بقلم – أبوبكر الصغير .

ليست المأساة اليمنية مجرد حرب طال أمدها ، ولا جرحا محليا يمكن عزله عن محيطه العربي والإسلامي ، بل هي واحدة من أكثر المآسي التي تكشف كيف يمكن لمشروع سياسي مسلح ، حين يضع حساباته فوق مصالح الشعوب ، أن يحوّل وطنا عريقا إلى ساحة للصراع ، ويبدّد أحلام أجياله ، ويهدّد أمن جيرانه ، ويزرع في المنطقة بذور الفتنة والاضطراب .
إن إدانة المشروع الحوثي ليست موقفا من الشعب اليمني ، ولا انتقاصا من تاريخه ومكانته الحضارية ، بل هي انحياز إلى اليمنيين الذين دفعوا أثمانا باهظة من أرواحهم وأمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم .
فاليمن ، الذي حمل عبر التاريخ إرثا عربيا وإسلاميا عريقا ، لا يجوز اختزاله في جماعة إرهابية مسلحة ، ولا يجوز مصادرة إرادة شعبه باسم شعارات دينية أو ادعاءات سياسية لا تبرّر مصادرة الدولة ، ولا فرض الأمر الواقع بالقوة ، ولا تعريض حياة المدنيين للخطر .
لقد علّمتنا التجارب أن الشعارات التي ترفع اسم الدين لا تكتسب شرعيتها من ألفاظها ، وإنما من أفعال أصحابها ، وأن من يتحدث باسم المظلومين لا يحق له أن يضاعف معاناتهم ، ومن يرفع راية نصرة الأمة لا يجوز له أن يجعل أوطانها ساحات مفتوحة للحروب وتصفية الحسابات .
فالدين الذي يدعو إلى العدل و الرحمة وصيانة الدماء لا يمكن أن يكون غطاء للارهاب و لإشعال الفتن ، أو تبرير الاعتداءات ، أو تحويل معاناة الناس إلى وقود لمشروعات النفوذ .
أما إيران ، فإن مسؤوليتها الإقليمية لا يمكن فصلها عن دعمها العسكري والسياسي للحوثيين ، وما يمثله ذلك من عامل في إطالة أمد الصراع وتعزيز قدرات الجماعة على تحدي الدولة اليمنية وتهديد محيطها .
وحين تتحول أراضي الآخرين إلى مساحات لتوسيع النفوذ ، وتصبح الجماعات المسلحة أدوات في صراعات تتجاوز حدود أوطانها ، فإن الشعوب هي التي تدفع الثمن : مدن مدمرة، واقتصادات منهكة ، ومؤسسات متآكلة ، وأجيال تنشأ في ظل الخوف والحرمان .
إن المشكلة ليست في خلاف سياسي عابر بين عاصمتين ، بل في نهج يضع حسابات النفوذ فوق حق الشعوب في الاستقرار والسيادة .
فاليمن ليس ورقة تفاوض ، ولا شعبه أداة في صراع إقليمي ، كما أن أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج ليس مجالا للمغامرات العسكرية أو الرسائل التي تُرسل عبر استهداف المنشآت المدنية وتهديد السكان . وأي اعتداء على أمن هذه الدول أو سيادتها يستوجب إدانة واضحة ، بعيدا عن ازدواجية المعايير والتبريرات التي تتبدل بحسب هوية المعتدي ومصالحه .
وتزداد خطورة هذا النهج حين تمتد تهديداته إلى أمن المنطقة المحيطة بالأراضي المقدسة. فمكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا مجرد مدينتين في الجغرافيا السياسية ، بل هما موضع تعلق قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، ورمز لوحدة روحية تتجاوز الحدود والمذاهب والخلافات .
ومن ثم، فإن أمن المملكة واستقرارها مسؤولية تحظى بأهمية استثنائية لدى المسلمين ، وأي تهديد يمس سلامة أراضيها أو يعرّض المدنيين فيها للخطر لا ينبغي التعامل معه باعتباره تفصيلا عابرا في صراع إقليمي.
ولا يمكن أن تكون نصرة فلسطين أو الدفاع عن قضايا الأمة مبررا لتخريب اليمن ، أو تهديد السعودية، أو زعزعة أمن الخليج.
فالقضايا العادلة لا تُقاس بارتفاع الشعارات ، وإنما بصدق المواقف واحترام حياة الإنسان وصون كرامته .
ومن يزعم الدفاع عن المظلومين مطالب بأن يبدأ برفض ظلم أبناء وطنه ، وأن يثبت أن كرامة الإنسان ليست انتقائية ، وأن دماء المدنيين لا تختلف قيمتها باختلاف هوياتهم أو مواقعهم الجغرافية .
إننا ندين كل اعتداء يستهدف المدنيين، وكل عمل عسكري يهدد أمن الدول العربية، وكل تدخل يسلب الشعوب حقها في تقرير مصيرها. وندين، على وجه الخصوص، ما يرتبط بالمشروع الحوثي من ممارسات تقوض الدولة اليمنية وتعمق الانقسام ، كما نرفض توظيف إيران لهذا الصراع في توسيع نفوذها الإقليمي على حساب استقرار اليمن وأمن جواره العربي .
لكن الإدانة وحدها لا تكفي . فالمطلوب موقف عربي مسؤول يساند اليمنيين في استعادة دولتهم ومؤسساتهم، ويدعم مسارا سياسيا يحفظ وحدة البلاد وسيادتها ، ويضع حدا لتدفق السلاح وتصعيد المواجهات ، ويمنح المدنيين فرصة لاستعادة حياتهم بعيدا عن الخوف والجوع والنزوح .
كما أن حماية المملكة العربية السعودية ودول الخليج تستوجب احترام سيادتها ، ورفض الاعتداءات عليها ، والعمل على تجفيف منابع التصعيد ، بدل الاكتفاء ببيانات لا تغيّر شيئًا من واقع التهديد .
إن قوة المنطقة لا تُبنى على إضعاف اليمن ، ولا على استنزاف السعودية ، ولا على تخويف شعوب الخليج ، ولا على تأجيج الانقسامات المذهبية ، بل على دول مستقرة ، وشعوب آمنة ، وعلاقات تقوم على حسن الجوار واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية .
وفي النهاية، سيبقى الشعب اليمني أكبر من الجماعات الارهاببة التي تتحدث باسمه ، وأعرق من المشاريع التي تحاول احتكاره، وأحق بمستقبل لا تصنعه البنادق ولا تحدده حسابات العواصم.
وسيبقى أمن المملكة العربية السعودية واستقرار دول الخليج جزءًا أساسيًا من أمن المنطقة، فيما تظل الأراضي المقدسة أمانة عظيمة تستوجب اليقظة والمسؤولية والتضامن.
لا تظلموا اليمن باسم الحوثيين، ولا تبرروا الخراب باسم المقاومة ، ولا تجعلوا الشعارات الدينية ستارًا لمشروعات النفوذ .
فالأوطان ليست غنائم، والشعوب ليست وقودًا للحروب، والدين ليس رخصة لإشعال الفتن .
ومن أراد حقا نصرة الأمة ، فليكن أول المدافعين عن دمائها وكرامتها وأمنها ووحدتها .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *