ٍبقلم : ابوبكر الصغير.
في كل عام، تتحول المملكة العربية السعودية إلى قلب نابض بالعطاء الإنساني والتنظيم الحضاري ، وهي تستقبل ملايين الحجاج القادمين من مختلف بقاع الأرض ، في واحدة من أعظم وأصعب المهمات التي عرفتها البشرية : إدارة أكبر تجمع إنساني في العالم في زمان ومكان محددين.
هذا العام، لم تكن المشاهد القادمة من المشاعر المقدسة مجرد صور عابرة ، بل كانت رسائل إنسانية مؤثرة تداولتها وسائل الإعلام العالمية بإعجاب كبير .
ومن بين أكثر الصور تعبيرا ، تلك التي أظهرت رجال الأمن والعسكريين السعوديين وقد افترشوا الأرض لأخذ قسط قصير من الراحة، بعد يوم طويل وشاق من خدمة أكثر من 1.7 مليون حاج تنقلوا في يوم واحد بين عرفات ومزدلفة ، وسط درجات حرارة مرتفعة وتحديات لوجستية هائلة .
تلك الصورة لم تكن مجرد لقطة إنسانية … بل كانت إختصارا لعقيدة كاملة تقوم عليها المملكة الشقيقة في خدمة ضيوف الرحمن . رجال يسهرون ويتعبون ويضحون براحتهم حتى يؤدي الحاج مناسكه بأمن وطمأنينة وكرامة . خلف كل حاج يصل بسلام، هناك آلاف الجنود، والأطباء، والمسعفين، ورجال الدفاع المدني، والمتطوعين ، والعاملين الذين يعملون بصمت وإخلاص نادر .
لقد أثبتت السعودية مرة أخرى أن خدمة الحرمين الشريفين ليست شعارا سياسيا ، بل مسؤولية تاريخية وإنسانية وحضارية تحملها قيادة المملكة بكل فخر واقتدار ، وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود و سمو ولي عهده محمد بن سلمان، اللذان جعلا من راحة الحاج وأمنه أولوية مطلقة ، عبر مشاريع عملاقة وبنية تحتية متطورة وخطط تنظيمية تدار بأعلى درجات الاحتراف .
إن العالم اليوم لا ينظر فقط إلى الحج باعتباره شعيرة دينية عظيمة ، بل ينظر أيضا بإبهار إلى قدرة قيادة المملكة على إدارة هذا الحدث الاستثنائي بكفاءة مذهلة ، في منطقة تعيش الكثير من الاضطرابات والتحديات . فبينما تعجز دول كبرى عن تنظيم أحداث رياضية أو جماهيرية محدودة ، تنجح السعودية عاما بعد عام في إدارة ملايين البشر بانسيابية وأمان واحترام للإنسان .
وإذا كانت الكاميرات قد التقطت صورة رجال الأمن وهم ينامون من شدة الإرهاق ، فإنها في الحقيقة وثّقت شيئاً أكبر : حجم الوفاء والتضحية والإخلاص الذي يقدمه السعوديون لضيوف الرحمن ، في مشهد تختلط فيه الإنسانية بالإيمان ، والانضباط بالشرف ، والخدمة بالفخر الوطني .
إنها السعودية التي لا تنام … حتى يطمئن الحجاج .


