ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في هذا العالم الذي باتت فيه لغة التهديد واستعراض القوة جزءا من الخطاب السياسي لبعض القوى الكبرى ، تبدو التصريحات العدائية تجاه سلطنة عُمان الشقيقة انعكاسا لعقلية قديمة ما تزال تنظر إلى المنطقة العربية بمنطق الوصاية والهيمنة ، لا بمنطق الاحترام المتبادل بين الدول ذات السيادة . فحين تُهدَّد دولة عربية مستقلة بتاريخها وقرارها الوطني ، فإن الأمر يتجاوز حدود الانفعال السياسي العابر ، ليكشف أزمة عميقة في فهم تاريخ المنطقة وشعوبها وكرامتها الوطنية .
انّ سلطنة عُمان ليست دولة هامشية في معادلات الخليج العربي ، ولا كيانا عابرا يمكن تجاوزه في حسابات الأمن والاستقرار .
إنها دولة صنعت حضورا و مجدا و عزة عبر قرون طويلة من التاريخ البحري والسياسي والحضاري ، دولة نجحت في ترسيخ نموذجٍ رائد قائم على الحكمة والاتزان واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤون الآخرين ، حتى أصبحت تحظى بمكانة رفيعة واحترام واسع في محيطها الخليجي والعربي والدولي .
من يقرأ التاريخ جيدًا يدرك أن سلطنة عُمان لم تكن يومًا أرضًا مستباحة أو دولة خاضعة للهيمنة الأجنبية.
ففي عام 1650، تمكن الأشقاء العُمانيون من طرد البرتغاليين من الخليج العربي في واحدة من أبرز محطات التحرر الوطني في المنطقة ، وذلك قبل أكثر من قرن من إعلان قيام الولايات المتحدة الأمريكية نفسها .
ولم يكن ذلك الانتصار مجرد حدث عسكري عابر ، بل إعلانًا مبكرًا عن إرادة شعبٍ عظيم يعرف معنى السيادة ويرفض الخضوع للقوى الخارجية مهما بلغ نفوذها أو قوتها .
لهذا تبدو لغة التهديد تجاه سلطنة عُمان صادمة ومرفوضة ، لأنها لا تستهدف دولة بعينها فحسب ، بل تمسّ جوهر فكرة السيادة العربية ذاتها .
فعندما تُواجَه دولة عُرفت تاريخيًا بالحكمة والوساطة والدبلوماسية الهادئة بمنطق الترهيب والضغط ، فإن الرسالة التي تصل إلى المنطقة بأسرها هي أن الاعتدال وحده لم يعد كافيًا لحماية الدول من نزعات الهيمنة واستعراض القوة .
لقد اختارت عُمان ، على امتداد عقود طويلة من الزمن ، أن تكون مساحة للحوار الهادئ ، صوتا للحكمة لا ساحة للصراعات.
لعبت أدوارًا دقيقة في تقريب وجهات النظر بين الخصوم ، وسعت دائمًا إلى تجنيب المنطقة الانفجارات الكبرى ، وأبقت أبواب التواصل مفتوحة حتى في أكثر اللحظات توترًا وتعقيدًا .
لذلك فإن استهداف هذا الدور المتوازن لا يخدم استقرار الخليج ، بل يهدد ما تبقى من فرص التهدئة في منطقة أنهكتها الأزمات والصراعات المتلاحقة .
إن العلاقات الدولية لا يمكن أن تُدار بعقلية الإملاءات أو التهديد بتدمير الدول .
فالعالم الذي يدّعي احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة لا يمكنه أن يقبل بمنطق القوة بديلا عن الحوار والدبلوماسية .
كما أن الشعوب التي دفعت أثمانا باهظة للتحرر من الاستعمار والهيمنة لن تتقبل بسهولة عودة الخطابات التي تستحضر تلك الحقب المظلمة بصيغ جديدة وأدوات مختلفة .
إن التضامن اليوم مع سلطنة عُمان ليس مجرد إعلان موقف سياسي عابرا ، بل هو دفاع عن حق الدول العربية في حماية استقلال قرارها الوطني وصون سيادتها بعيدًا عن الضغوط والتهديدات .
فالدول لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة عسكرية ، بل أيضًا بمجدها و بتاريخها ، وحكمة قيادتها ، واحترامها بين الأمم .
و سلطنة عُمان، التي واجهت الغزاة عبر التاريخ وحافظت على استقلالها وسيادتها، تدرك جيدا أن السيادة ليست شعارا يُرفع في المناسبات ، بل مسار طويل من الصمود والحكمة والقدرة على حماية القرار الوطني من كل أشكال الهيمنة والتبعية .
ولهذا فإن التهديدات، مهما ارتفعت نبرتها، لن تغيّر حقيقة راسخة في وجدان المنطقة : أن سلطنة عُمان كانت وستبقى دولةً ذات سيادة، عصيّة على كلّ الإملاءات ، بثقلها التاريخي والسياسي والحضاري في الخليج والعالم .


