تونس 35°C

18 جويلية 2026

تونس 38°C

18 جويلية 2026

بعد دمشق … بيروت وبغداد توجهان الضربة الأقسى للهلال الإيراني .

ٍبقلم – ابوبكر الصغير.

ليست كل الهزائم تولد من هدير الطائرات أو أزيز الصواريخ ، فبعضها يبدأ بقرار تتخذه دولة قررت أن تستعيد نفسها ، وأن ترفع علمها فوق كل الرايات ، وأن تجعل القانون أعلى من البندقية .
وهذا ما حدث ، في أسبوع واحد، حين تحركت بيروت وبغداد في اتجاه بدا حتى وقت قريب مستحيلا .
سنوات طويلة ، عاش لبنان والعراق تحت وطأة السلاح الخارج عن سلطة الدولة .
سلاح قيل إنه للمقاومة ، ثم تحول مع الزمن إلى سلطة موازية ، وإلى نفوذ سياسي واقتصادي وأمني ، جعل الدولة تتراجع خطوة بعد أخرى، بينما تمددت الأذرع المرتبطة بطهران على حساب المؤسسات الوطنية .
كان قاسم سليماني يفاخر بما سماه “ الهلال الإيراني ”، الممتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت .
لم يكن مجرد نفوذ سياسي ، بل مشروعا كاملا يقوم على بناء وكلاء مسلحين يملكون قرار الحرب والسلم ، فيما تبقى الدولة الرسمية عاجزة عن ممارسة سيادتها كاملة .
لكن التاريخ يعلمنا أن الأوطان قد تصبر ، لكنها لا تموت .
سقطت دمشق أولا من معادلة النفوذ التي أرادتها طهران ، ثم جاء الدور على لبنان والعراق .
في بيروت، بدأ مسار واضح لاستعادة احتكار الدولة للسلاح، وفي بغداد ارتفع صوت الدولة مطالبا الفصائل المسلحة بتسليم أسلحتها ، مع فتح باب الاندماج في مؤسسات الدولة . إنها ليست حربا على أبناء الوطن ، بل محاولة لإعادة الوطن إلى أبنائه .
إنها لحظة فارقة ، لأن المعركة هذه المرة ليست بين دولتين ، ولا بين جيشين ، بل بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا ، بين الدستور والسلاح ، بين المواطن الذي يريد مستقبلا آمنا ، والمشروع الذي لا يعيش إلا في ظل الفوضى .
لقد دفعت شعوب المنطقة ثمنا باهظا . دُمّرت مدن، وتشرّد ملايين البشر، واستُنزفت الاقتصادات، وضاعت فرص التنمية، لأن السلاح ظل أقوى من المؤسسات ، ولأن قرار العواصم لم يكن دائماً يُصنع داخل حدودها .
واليوم، تبدو الصورة مختلفة تماما .
فحين تبدأ بيروت وبغداد باستعادة قرارهما الوطني ، فإن الرسالة لا تخص إيران وحدها ، بل تخص كل مشروع يقوم على إضعاف الدولة لصالح أي قوة موازية، أياً كان شعارها أو مبررها.
إن الأوطان لا تُبنى بالبندقية المنفلتة ، ولا تُحمى بولاءات تتجاوز حدودها .
وحدها الدولة القوية ، العادلة ، صاحبة القرار الواحد ، قادرة على حماية شعوبها وصون كرامتها .
قد لا يكون الطريق سهلا ، وقد تكون التحديات كبيرة ، لكن ما بدأ هذا الأسبوع يحمل دلالة عميقة : أن زمن الدول المختطفة ليس قدرا أبديا ، وأن الشعوب ، مهما طال انتظارها ، لا تتخلى عن حلمها في استعادة وطن يحكمه القانون لا الميليشيات ، والمؤسسات لا السلاح ، والسيادة لا الوصاية.
ولعل أكثر ما يؤلم في هذه التحولات ، أنها تكشف حقيقة طالما حاولت الشعارات إخفاءها : لا يمكن لأي مشروع عابر للحدود أن ينتصر إلى الأبد على فكرة الوطن .
فالوطن ، مهما أُنهك ، يظل أقوى من كل المشاريع المؤقتة ، وأبقى من كل النفوذ الذي يُبنى على السلاح والخوف .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية