بقلم – أبوبكر الصغير .
هناك رجال لا تُقاس مسيرتهم بعدد السنوات التي قضوها في مواقع المسؤولية ، وإنما بما تركوه وراءهم من مؤسسات قائمة ، ومصانع تعمل ، وأجيال من المهندسين والفنيين والعمال الذين وجدوا في الصناعة طريقا إلى العمل والكرامة والمستقبل .
ومن هؤلاء الطاهر العتروس ، أحد الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الصناعة التونسية، والذي لم يتعامل مع الصناعة باعتبارها مجرد أرقام ومؤسسات وخطوط إنتاج ، بل باعتبارها مسالة وطنية ، وسبيلا لبناء اقتصاد قادر على الإنتاج والمنافسة والانفتاح على العالم .
ولعل زيارة السفير الياباني سايتو جون إلى موقع إنتاج مركبات ” إيسوزو “! التابع لشركة الصناعات الميكانيكية المغاربية بالقيروان IMM تمثل مناسبة لاستعادة هذه المسيرة والتوقف عند ما أنجزه الرجل في خدمة الصناعة التونسية .
فأن يقف سفير اليابان ، ممثل دولة تعد من أكبر القوى الصناعية في العالم ، داخل مصنع تونسي تنتج فيه المركبات التجارية وتحمل علامتها الصناعية ، وأن يطلع على تفاصيل العمل والإنتاج والجودة ، فذلك ليس مجرد حدث بروتوكولي ، وإنما صورة تختصر عقودا من التعاون الصناعي بين تونس واليابان ، وتكشف في الوقت نفسه عن قدرة الصناعة التونسية على بناء جسور مع المدارس الصناعية الكبرى في العالم .
لقد حضرت ” إيسوزو ” في تونس لأكثر من أربعة عقود ، وأصبحت مركباتها ، من الشاحنات إلى سيارات البيك أب D-Max ، جزءا من المشهد الصناعي والاقتصادي التونسي .
ولم يكن استمرار هذه التجربة ممكنا إلا بوجود منظومة صناعية حافظت على الجودة، وطورت الخبرات، وراكمت المعرفة، وربطت المصنع التونسي بشبكة من المعايير والمواصفات العالمية .
وهنا تحديدا تظهر قيمة الطاهر العتروس .
فالصناعة ليست ماكينة تُدار ، ولا مصنعا تُفتح أبوابه صباحا وتغلق مساء .
الصناعة عقل وإدارة وخبرة وانضباط وثقة، وقبل ذلك كله إيمان بأن تونس قادرة على أن تنتج، لا أن تستهلك فقط؛ وأن تصنع، لا أن تستورد فقط؛ وأن تكون شريكاً في الاقتصاد العالمي، لا مجرد سوق له.
والطاهر العتروس ينتمي إلى جيل من الصناعيين الذين آمنوا بهذه الفكرة ودافعوا عنها بالفعل قبل أن تتحول الصناعة اليوم إلى عنوان متكرر في خطابات التنمية الاقتصادية .
لقد ساهم الرجل ، عبر مسيرته ، في ترسيخ تجربة صناعية جعلت من القيروان فضاء للإنتاج والعمل والخبرة ، وربطت تونس باسم علامة صناعية يابانية عريقة .
والأهم أن هذه التجربة لم تكن مجرد تجميع لمركبات ، بل مدرسة حقيقية للمهارات والكفاءات ، ومصدر رزق لآلاف العائلات بصورة مباشرة وغير مباشرة ، ومكوّناً من مكونات النسيج الصناعي التونسي .
ولذلك فإن تقدير الطاهر العتروس لا ينبغي أن يبقى محصورا في الأوساط الصناعية التونسية .
فالصناعي الحقيقي يعرف قيمة الصناعي الآخر ، مهما اختلفت الجغرافيا واللغة والأسواق .
وفي الولايات المتحدة واليابان وأوروبا وآسيا ، حيث تقاس قيمة المؤسسات بقدرتها على الإنتاج والجودة والاستمرارية، يدرك أهل الصناعة أن بناء مؤسسة صناعية ناجحة في بلد مثل تونس ليس أمراً بسيطا .
إن زيارة السفير سايتو جون لمصنع إيسوزو بالقيروان تكتسب ، من هذه الزاوية، دلالة تتجاوز المناسبة نفسها .
إنها رسالة تقدير للصناعة التونسية ، وللكفاءات التي صنعتها ، ولرجال اختاروا طريق الإنتاج في زمن كان الاستثمار في الصناعة أكثر صعوبة وأقل بريقاً من قطاعات أخرى .
كما أنها تذكير بأن العلاقات التونسية اليابانية ليست مجرد علاقات دبلوماسية ، وإنما يمكن أن تكون علاقات مصانع وخبرات وتكنولوجيا وفرص عمل وأسواق مشتركة .
لقد جاء السفير الياباني إلى القيروان ليشاهد مصنعا ، لكنه وجد أيضا قصة تونسية في عشق الصناعة ، وقصة رجل جعل من المصنع جزءا من حياته ومن الصناعة جزءاً من رسالته الوطنية .
ومن حق الطاهر العتروس اليوم أن يُقال له إن تونس لا تنسى أبناءها الذين اختاروا أن يخدموها من بوابة الإنتاج .
فالأوطان لا تبنى بالخطب وحدها ، وإنما بالمصانع التي تعمل ، والمهارات التي تتطور ، والمنتجات التي تحمل اسم الوطن إلى الأسواق، والشراكات التي تجعل تونس حاضرة في خارطة الصناعة العالمية .
وهذا هو الإرث الحقيقي للصناعيين الكبار : أن يتركوا وراءهم شيئا يستمر بعدهم .
والطاهر العتروس واحد من أولئك الذين يستحقون أن تُروى قصتهم ، لا باعتبارها قصة رجل أعمال فحسب ، وإنما باعتبارها صفحة من تاريخ الصناعة التونسية التي أثبتت ، وما تزال تثبت ، أن تونس حين تثق في كفاءاتها تستطيع أن تصنع وتنافس وتتعاون مع أكبر المدارس الصناعية في العالم .
