تونس 29°C

1 جوان 2026

تونس 38°C

1 جوان 2026

في عيدها الوطني : الكويت… دولة تصنع مجدا بصوت خافت .

بقلم ا.حذامي محجوب (رئيس التحرير).

لا يأتي اليوم الوطني للكويت باعتباره مجرّد احتفال بذكرى التحرير و الاستقلال ، بل كنافذة واسعة نتأمل من خلالها رحلة دولة اختارت طريقا مختلفا في بناء حضورها.
رحلة تؤكّد أن الحكمة ليست ضعفا ، وأن الهدوء ليس غيابا ، وأن الدبلوماسية يمكن أن تُمارَس بلا ضجيج ومع ذلك تُحدث أثرًا أبقى من الصراخ.
منذ بدايات ستينيات القرن الماضي ، يوم خطّت الكويت أولى خطواتها في المجالين العربي والدولي ، اختارت أن تجعل من احترام سيادة الدول أساسًا ، ومن حسن الجوار منهجًا ، ومن عدم التدخل في شؤون الآخرين قاعدة ثابتة .
لم تُرفع هذه المبادئ كشعارات تُقال عند الحاجة، بل تحولت إلى سلوك سياسي مستقر تقوده وزارة الخارجية الكويتية ، واضعة الالتزام بالشرعية الدولية ودعم الأمن والسلم العالميين في قلب خياراتها الكبرى .
في عالم مضطرب ، تتقاذفه الاستقطابات وحسابات القوة ، برزت الكويت بوصفها صوت العقل حين يعلو صخب الأزمات .
لم تتورّط الكويت في الاصطفاف ، ولم تغرق في مغامرات القوة ، بل اختارت أصعب الأدوار : دور الوسيط ، الجامع بين الأطراف المتخاصمة ، الباحث عن مساحة إنسانية مشتركة تحفظ للجميع كرامتهم .
ومن هنا وُلدت سمعتها : دبلوماسية هادئة، تعمل بصمت ، تؤثر دون أن تتباهى ، وتُصلح دون أن تطلب امتنانا .
اكتمل هذا الدور السياسي بوجه إنساني نادر . فالكويت، عبر مؤسساتها الرسمية وهيئاتها الخيرية ، تحولت إلى مركز عالمي للعمل الإنساني الخيري ، تقدّم المساعدات وتفتح أبواب الإغاثة أينما اشتدت الأزمات .
لم يكن ذلك مجرّد منحة سياسية ، بل قناعة راسخة بأن قيمة الدولة تُقاس بقدرتها على تضميد جراح الآخرين .
ولأن الدبلوماسية لا تُبنى بالشعارات ، استثمرت الكويت في الإنسان .
فمعهد سعود الناصر الصباح الدبلوماسي لم يكن مجرّد مؤسسة تدريب ، بل مصنعا لإعداد جيل جديد من الدبلوماسيين القادرين على التفاوض ، وفهم القانون الدولي ، وتمثيل الدولة بروح مهنية رصينة ، تضمن استمرار هذا النهج جيلاً بعد جيل .
أما المواطن الكويتي ، فظل في صلب المعادلة .
عملت وزارة الخارجية على تطوير خدماتها القنصلية ورعاية رعاياها في الخارج، لتؤكد أن الدولة ليست مجرد مؤسسات، بل سندا يحمله المواطن معه أينما رحل .
في يومها الوطني الخامس والستين، والذكرى الخامسة والثلاثين لتحرير دولة الكويت ،تبدو الكويت أكثر من ذكرى تُستعاد … تبدو درسًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد : أن القوة ليست صخبا ، وأن النفوذ لا يُقاس بالصوت المرتفع ، بل بالقدرة على صنع الاستقرار وصون الكرامة .
هكذا بنت الكويت دبلوماسيتها: هادئة في ظاهرها ، عميقة في أثرها ، ثابتة في مبادئها ، تمضي بثقة نحو المستقبل … كما يفعل الكبار دائما .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية