تونس 16°C

18 ماي 2026

تونس 38°C

18 ماي 2026

كلُّ عصر لهُ ” إبستينه ” : من الماركيز دو ساد إلى إمبراطورية المال الحديثة !.

بقلم ا.حذامي محجوب (رئيس التحرير).

تمرّ الفضائح كما تمرّ العواصف : تُحدث صخبا و ضجيجا .
تترك الخراب، ثم تنسحب .
لكن المشهد الذي يبقى بعد انقشاع الغبار هو السؤال الأخلاقي الحارق العالق في الهواء . قضية إبستين واحدة من تلك العواصف التي ستُطوى أوراقها يوما ما .
لكن أسئلتها ستظلّ و تبقى مفتوحة : ما الذي يفعله المال بالإنسان ؟ وما الذي تفعله السلطة بالنفس حين تصبح بلا ضوابط او رقيب ؟ .
لا أدري لماذا ، وأنا أتتبع خيوط قضية إبستين ، قفز إلى ذهني اسم بعيد ، بعيد جدا … ” الماركيز دو ساد ” .
ربما لأنّ الرجلين ، رغم اختلاف الأزمان و مسافة القرون ، التقيا في نقطة خطيرة ، بل هي الاخطر : النقطة التي تتحوّل فيها القوة إلى مختبر ، والجسد إلى مادة للتجربة ، والضمير إلى صوت خافت يُخنَق تحت ثقل الامتياز .
” دو ساد ” ابن عالم أرستقراطية القرن الثامن عشر ، نبتَ في تربة ترى أن “الدم النبيل” كاف لتبرير كل نزوة .
عاش ثراء وحرية مطلقة في عالمٍ يظن أن القانون كتب للضعفاء فقط .
سُجن مرات ، وخرج مرات ، وبقيت ممارساته العنيفة صدى لفلسفة تبجّح بها لاحقًا : كسر الأخلاق باسم الحرية ، واستباحة الجسد باسم السيادة الفردية .
لم يكن يكتب عن اللذة ، بل عن السلطة اساسا .
يكتب عن الإنسان حين يقتنع بأنّ وضعه الاجتماعي بطاقة عبور إلى ما وراء القانون .
كان ” دو ساد ” يعلن فكرته صراحة : كل شيء مباح حين أريد ، وحين لا أُحاسب .
بعد قرون، لم يحتج ” جيفري ابستين ” إلى كتابة كتاب واحد .
كانت كتبه أرقامَ حساباته ، طائراته الخاصة ، وشبكة أصحاب النفوذ الذين صنعوا حوله جدارا قويا من الصمت .
لم يكن أرستقراطيًا بالنسب ، بل بالمال ، كان وريث زمن جديد تُصنع فيه الحصانة لا في القصور ، بل في غرف مجالس الإدارة و، وفي صور تُلتقط إلى جانب أصحاب القرار .
هنا ينهض السؤال الكبير:
هل يولّد النفوذ الانحراف ؟ أم أنه فقط يكشفه و يفضحه ؟ .
هل يغوي المال النفس ، أم يمنح الانحراف القديم فرصةً لينمو في الظل ؟.
المال لا يخلق الشر ، لكنه يعطيه مساحة .
الجاه لا ينبت الجريمة ، لكنه يمنحها القدرة على التخفي .
الفارق بين نزوة خانقة في روح إنسان … وبين منظومة اعتداء كاملة… هو الردع.
فإذا غاب العقاب، اتسعت مساحات المظلمة في النفس كما تتسع بقعة الزيت فوق الماء.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة :
هل في كل واحد منا نسخة صغيرة من دو ساد وإبستين ، لا تظهر إلا إذا اختفى الرقيب؟.
الضمير ليس فكرة نظرية ، بل علاقة بين الفعل والعاقبة . فإذا انقطعت العاقبة ، تحولت السلطة أي سلطة إلى تجربة بلا فرامل؟.
القرون تغيّرت، لكن الجوهر بقي نفسه .
” دو ساد ” ابن امتياز طبقي .
” إبستين ” ابن امتياز مالي . كلاهما استند إلى وهم واحد : أن السلطة، مهما اختلف نوعها، قادرة على إعادة تعريف الأخلاق وفق رغبات صاحبها .
هكذا، لا تتحول الفضيحة إلى قصة فرد ، بل إلى مرآة تُظهر ما هو أعمق : تلك الشبكات التي تحمي ، تغطي ، تصمت ، وتبرّر .
” إبستين ” ليس فردا شاذا ، إنه نتاج منظومة سمحت له بالصعود والتمدد والتخفي … حتى انفجرت.
لهذا، لا يُقاس المجتمع بغياب المنحرفين ، فهذا وهم. بل يُقاس بقدرته على كبحهم حين يقفون على قمّة الهرم .
فإذا عجز عن ذلك ، يصبح ” إبستين ” ليس حالة استثنائية ، بل نموذجا يعيد الزمن إنتاجه كل مرة باسم جديد .
نعم، كل عصر له ” إبستينه ” .
لكن السؤال الأخطر ليس عن ذلك الشخص… بل عن البيئة التي تمنحه القوة ، وعن الضمير الجماعي الذي يترك له الباب مفتوحا .
فما يُترك بلا رادع ينمو ، وما يُغطّى بالصمت يتحوّل إلى مؤسسة .
تمرّ الفضائح وتذبل عناوينها ، لكن السؤال يبقى معلّقا، لا يموت : ” هل نحن مستعدّون لمواجهة ” إبستين ” القادم، أم سننتظر فضيحة اخرى جديدة لنكتشف هشاشة مجتمعاتنا الأخلاقية من جديد ؟.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية