ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُحسم فقط في ساحات القتال أو عبر تفوق الجيوش والأسلحة، بل أصبحت تُدار أيضاً في فضاء المعلومات، حيث تتحول الرواية إلى ساحة مواجهة لا تقل أهمية عن الأرض نفسها. فقبل السيطرة على المدن، تُبذل الجهود للسيطرة على السردية، وقبل كسب المعارك العسكرية، تُخاض معارك موازية لكسب العقول وتوجيه الإدراك الجماعي.
لهذا السبب لم تعد الرقابة على الإعلام مجرد إجراء إداري أو تدبير أمني استثنائي، بل أصبحت أحد أكثر أدوات النفوذ تأثيراً في عالم اليوم. فالقوة لم تعد تقاس فقط بما تمتلكه الدول من ترسانات عسكرية، بل أيضاً بقدرتها على التحكم فيما يراه الناس وما لا يرونه، وفيما يُقال وما يُمنع من التداول.
والمفارقة أن هذا يحدث في عصر يُفترض أنه عصر الانفتاح الرقمي والاتصال اللامحدود. فبينما تتدفق أمامنا بلايين الرسائل والصور ومقاطع الفيديو كل يوم، تبدو الحقيقة أكثر صعوبة في الوصول من أي وقت مضى. نحن لا نعيش أزمة نقص في المعلومات، بل نعيش أزمة ثقة في المعلومات نفسها، وأزمة تمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين الواقع وما يُراد لنا أن نعتقد أنه الواقع.
من إيران إلى غزة، ومن روسيا إلى منطقة الساحل الإفريقي، يتكرر المشهد بأشكال مختلفة. ففي أوقات الأزمات والنزاعات، تصبح المعلومة هدفاً مباشراً للصراع. تُقطع شبكات الاتصال، ويُمنع الصحفيون من الوصول إلى مناطق الأحداث، وتُفرض قيود على وسائل الإعلام المستقلة، بينما تُمنح الروايات الرسمية مساحة أوسع للانتشار. وعندما يُحرم الناس من الشهود ومن التغطية المستقلة، تصبح الحقيقة أولى ضحايا الصراع.
في إيران، تحولت شبكات الاتصال خلال فترات التوتر إلى أداة سياسية تُستخدم لعزل الداخل عن الخارج والحد من تدفق المعلومات. وفي غزة، لم تقتصر المأساة على الخسائر الإنسانية الهائلة، بل امتدت إلى المجال الإعلامي، حيث أصبحت مهمة الوصول إلى الحقيقة أكثر تعقيداً وسط القيود المفروضة على التغطية واستهداف الصحفيين وسقوط عدد كبير منهم أثناء أداء واجبهم المهني. وعندما يغيب الشهود، تتسع مساحة الشائعات وتتنافس الروايات المتضاربة على ملء الفراغ.
أما في منطقة الساحل الإفريقي، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع الأزمات السياسية، فقد أصبحت حرية الإعلام تواجه ضغوطاً متزايدة. وباسم حماية الأمن القومي أو مكافحة التضليل، تُفرض قيود على بعض المنابر المستقلة، في الوقت الذي تتعزز فيه هيمنة الخطاب الرسمي. وهكذا يفقد الإعلام تدريجياً دوره كسلطة رقابية، ويتحول في بعض الحالات إلى مجرد صدى للسلطة بدلاً من أن يكون رقيباً عليها.
غير أن ما يدعو إلى القلق أكثر هو أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على الأنظمة ذات النزعة السلطوية. فحتى في الديمقراطيات العريقة، برزت خلال السنوات الأخيرة أساليب أكثر تعقيداً للتأثير على المجال الإعلامي. لم تعد الرقابة دائماً في شكل المنع المباشر أو الإغلاق الصريح، بل أصبحت تتجسد أحياناً في حملات التشكيك المنهجي بالمؤسسات الإعلامية، وإغراق الفضاء العام بفيض من المعلومات المتناقضة، بما يجعل المواطن عاجزاً عن التمييز بين الحقيقة والدعاية.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف بعداً جديداً لهذه الأزمة العالمية. فاليوم أصبح بالإمكان إنتاج صور ومقاطع فيديو وخطابات تبدو واقعية إلى حد يصعب معه اكتشاف زيفها. ولم تعد المعركة تدور فقط حول إخفاء الحقيقة، بل حول إنتاج حقائق بديلة وموازية تنافسها وتربك الجمهور وتزرع الشك في كل شيء. وهنا يصبح التزييف أخطر من المنع، لأن الضحية قد لا تدرك أصلاً أنها تتعرض للخداع.
إن أخطر ما في الرقابة الحديثة أنها لا تبني جدراناً تحجب الحقيقة فحسب، بل تبني متاهات تجعل الوصول إليها أكثر تعقيداً. فهي لا تكتفي بإخفاء الوقائع، بل تغرقها وسط سيل من السرديات المتناقضة والمعلومات المضللة والحقائق المجتزأة. وفي هذه الفوضى المصنوعة بعناية، يزداد نفوذ أصحاب القوة، بينما يفقد المواطن حقه الأساسي في الفهم والمعرفة.
لقد كانت الصحافة الحرة، عبر التاريخ، عين المجتمعات على نفسها وعلى العالم. وعندما تُطفأ هذه العين، أو تُشوَّه رؤيتها، يصبح المجال مفتوحاً أمام الدعاية والأكاذيب وصناعة الوهم. ولهذا فإن الدفاع عن حرية الإعلام ليس دفاعاً عن مهنة بعينها، بل دفاع عن حق الإنسان في الوصول إلى الحقيقة، وعن حق المجتمعات في اتخاذ مواقفها على أساس المعرفة لا على أساس التلاعب.
في عالم يزداد اضطراباً وتعقيداً يوماً بعد يوم، لا تحتاج البشرية إلى مزيد من الجدران التي تحجب الحقيقة، بل إلى مزيد من النوافذ التي تكشفها. فالحقيقة قد تكون مزعجة أحياناً، لكنها تظل أقل خطراً من الجهل، والشفافية قد تربك أصحاب النفوذ، لكنها تبقى الشرط الأول لبناء مجتمعات.


