المغرب .. انتخابات تؤكد رسوخ الممارسة الديمقراطية وتعددية المشهد السياسي .
بقلم – ابوبكر الصغير .
في المغرب الشقيق ، لا تبدو الانتخابات مجرد موعد دستوري يتكرر كل بضع سنوات ، وإنما محطة سياسية تعكس مسارًا متدرجًا لترسيخ التعددية وتداول المسؤوليات داخل المؤسسات المنتخبة.
وقد جاءت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 سبتمبر 2026 لتقدم صورة جديدة عن حيوية المشهد الحزبي المغربي ، من خلال تنافس 27 حزبا على 395 مقعدا بمجلس النواب ، وفق نظام الاقتراع العام المباشر باللائحة .
وأعلنت وزارة الداخلية النتائج الأولية التي تصدّر فيها حزب الأصالة والمعاصرة المشهد بحصوله على 97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا ، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا ، بينما حل حزب العدالة والتنمية ( اسلاميون ) رابعا بـ54 مقعدا، إلى جانب حضور عدد من الأحزاب الأخرى داخل المؤسسة التشريعية .
تكمن أهمية هذه النتائج في أنها تؤكد أن صناديق الاقتراع تظل قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى بين الأحزاب ، وأن المشهد السياسي المغربي لا يقوم على لون حزبي واحد ، بل على تعددية حزبية واسعة تتيح للناخب المغربي اختيار ممثليه بين اتجاهات وبرامج مختلفة .
ويكتسب صعود حزب الأصالة والمعاصرة دلالة خاصة باعتباره حزبا حديث النشأة نسبيا ، تأسس سنة 2008، وقدم نفسه منذ بدايته باعتباره مشروعا يجمع بين الأصالة المغربية والمعاصرة ، ويضع ضمن خطابه قضايا الديمقراطية والحريات و العدالة الاجتماعية و الحكامة و التنمية .
كما أن برنامجه الانتخابي لسنة 2026 يعكس انتقال المنافسة الحزبية من مجرد الشعارات السياسية إلى محاولة تقديم برامج قابلة للقياس ، من خلال خمسة مواثيق تتعلق بالقدرة الشرائية ، وإدماج الشباب ، والمواطنة ، والأمان ، والنمو والاستدامة ، مع التزامات تتصل بالتشغيل والاستثمار والخدمات العمومية والتنمية الاقتصادية .
لكن قيمة التجربة المغربية لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك ، وإنما بقدرة المؤسسات على استيعاب التعدد والاختلاف وتحويل نتائج الانتخابات إلى مسؤولية سياسية وبرامج حكومية قابلة للمحاسبة .
فالديمقراطية لا تكتمل لحظة إعلان النتائج ، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر أهمية : ترجمة أصوات المواطنين إلى سياسات عمومية ، ومتابعة تنفيذ الوعود ، وربط المسؤولية بالمحاسبة .
ومن اللافت كذلك أن الانتخابات أفرزت عودة قوية لحزب العدالة والتنمية ، الذي انتقل من 13 مقعدا في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدًا في النتائج الأولية الحالية ، بما يؤكد أن الحياة الحزبية يمكن أن تعرف تحولات كبيرة من دورة انتخابية إلى أخرى، وأن الناخب يظل قادرا على إعادة ترتيب الخريطة السياسية .
ومع ذلك ، فإن القراءة الموضوعية للتجربة المغربية تقتضي الإشارة أيضًا إلى أن نسبة المشاركة الوطنية بلغت نحو 38 %، وهي معطى مهم لا ينبغي تجاهله ، لأنه يضع أمام الأحزاب والمؤسسات تحدي توسيع المشاركة السياسية واستعادة اهتمام فئات واسعة ، ولا سيما الشباب ، بالشأن العام .
وهنا تحديدا تظهر أهمية التجربة المغربية : الديمقراطية ليست ادعاء بالكمال ، وإنما مسار يتطور عبر الانتخابات ، والتنافس ، وتعدد الأحزاب ، وتغيير موازين القوى ، ووجود مؤسسات منتخبة ، ثم تطوير المشاركة من دورة إلى أخرى .
لقد أظهر المغرب الشقيق مرة أخرى أن الاستقرار السياسي لا يعني تجميد الحياة السياسية ، وأن الحفاظ على الاستقرار يمكن أن يتعايش مع التنافس الانتخابي والتعددية الحزبية وتجدد النخب .
وهذه معادلة مهمة في عالم عربي يحتاج إلى تجارب سياسية قادرة على الجمع بين الاستقرار والإصلاح ، وبين الدولة والمؤسسات، وبين الثوابت الوطنية وحق المواطن في الاختيار .
وفي النهاية ، فإن نجاح الانتخابات المغربية لا ينبغي اختزاله في فوز حزب أو تراجع آخر ، بل في استمرار العملية الانتخابية نفسها ، واحترام قواعدها ، واحتكام الأحزاب إلى صناديق الاقتراع ، وقبولها بنتائج المنافسة، ثم انتقال البلاد إلى مرحلة جديدة من العمل البرلماني والسياسي .
المغرب، بهذه التجربة، يواصل بناء ديمقراطيته بطريقته الخاصة ، ديمقراطية تتقدم بالتراكم ، وتختبر نفسها بالانتخابات ، وتمنح المواطن دورا في إعادة تشكيل الخريطة السياسية .
وهذه في حد ذاتها قيمة سياسية تستحق التوقف عندها في محيط إقليمي يبحث منذ سنوات عن المعادلة الصعبة بين الاستقرار والإصلاح والتعددية .
