38°C تونس
11/09/2026
الاستيطان تحت العقاب .. هل بدأ الغرب يفكّ ارتباطه باحتلال إسرائيل . ؟
وجهة نظر

الاستيطان تحت العقاب .. هل بدأ الغرب يفكّ ارتباطه باحتلال إسرائيل . ؟

سبتمبر 11, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

لم يعد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية مجرد قضية تُدان في البيانات الدبلوماسية ثم تُطوى في أدراج العواصم الغربية .
شيء ما بدأ يتغير .
فالاستيطان الذي ظل لسنوات طويلة موضوعا للخلاف السياسي والقانوني ، بدأ يتحول تدريجيا إلى مصدر كلفة اقتصادية وسياسية على إسرائيل ، وإلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين تل أبيب وبعض أقرب حلفائها الغربيين .
فقد أعلنت بريطانيا وفرنسا وتسع دول أوروبية ، إلى جانب كندا ، فرض قيود على منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة .
وتضم المجموعة الدنمارك وإسبانيا وفنلندا وإيرلندا وآيسلندا والنرويج وبولندا والبرتغال والسويد .
وقد تبدو قيمة هذه الإجراءات التجارية محدودة قياسا بحجم المبادلات بين إسرائيل وأوروبا ، لكن دلالتها السياسية أكبر بكثير من قيمتها المالية .
الأكثر أهمية أن هذه الدول تحركت بصورة منفردة بعد فشل الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى موقف موحد .
وهنا تكمن المفارقة : عجز أوروبا عن الاتفاق الجماعي لم يمنع بعض عواصمها من الانتقال إلى مرحلة جديدة ، عنوانها أن الاستيطان لا يمكن أن يبقى معزولا عن ثمن سياسي واقتصادي .
وتبدو بريطانيا في قلب هذا التحول .
فلندن لم تعد تكتفي بإدانة الاستيطان، بل بدأت تتعامل معه باعتباره جزءا من منظومة الاحتلال التي تتعارض مع القانون الدولي ، وتبنت موقف محكمة العدل الدولية الصادر عام 2024 بشأن عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية .
كما استهدفت شركات بريطانية مرتبطة بمشاريع توسعة المستوطنات ، وعلى رأسها مشروع “ E1 ” ، الذي تكتسب خطورته أهمية استثنائية بسبب موقعه وتأثيره المحتمل على التواصل الجغرافي بين القدس الشرقية وأجزاء واسعة من الضفة الغربية .
ولعل حدة الرد الإسرائيلي على لندن تكشف حجم التحول أكثر مما تكشفه الإجراءات نفسها .
فعندما تنتقل الخلافات من البيانات الدبلوماسية إلى إجراءات متبادلة تمس شخصيات ومؤسسات وعلاقات سياسية ، فإن المسألة لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر حول المستوطنات ، وإنما بدأت تقترب من إعادة تعريف حدود العلاقة بين إسرائيل وبعض حلفائها التقليديين .
ويأتي ذلك في وقت يتواصل فيه التوسع الاستيطاني ، بالتوازي مع ضغوط متزايدة على التجمعات الفلسطينية ، ولا سيما المجتمعات الرعوية ، تدفع أعدادا منها إلى مغادرة أراضيها .
ومن هنا فإن استهداف منتجات المستوطنات يحمل رسالة تتجاوز التجارة : لا تريد بعض العواصم الغربية أن يتحول الاستيطان من مشروع محل نزاع قانوني وسياسي إلى نشاط اقتصادي طبيعي يحظى بحماية الأسواق والتمويل والاستثمار .
صحيح أن هذه الإجراءات لا ترقى بعد إلى مستوى العقوبات الشاملة ، كما أن قطاعات واسعة من التجارة والخدمات والاستثمارات لا تزال خارج نطاقها .
لكن السياسة الدولية لا تبدأ دائماً بالخطوات الكبرى .
أحيانا تبدأ بإشارة صغيرة تغيّر قواعد اللعبة.
فإذا أصبح المنتج القادم من مستوطنة أكثر عرضة للقيود والغرامات والإعادة ، فإن المخاطر لا تتوقف عند المصدر والمستورد . ومع اتساع نطاق الإجراءات ، يمكن أن تنتقل إلى البنوك وشركات التأمين والمستثمرين ، الذين قد يبدأون في إعادة حساباتهم بشأن تمويل مشاريع ترتبط بالمستوطنات أو المشاركة فيها .
وهنا يصبح مشروع “ E1 ” أكثر من مجرد عنوان جغرافي .
فإذا تحولت الضغوط من المنتجات إلى الشركات والبنوك والاستثمارات والبنية التحتية التي تخدم التوسع الاستيطاني ، فإن إسرائيل ستواجه معادلة مختلفة تماما : ليس مجرد انتقاد دولي للاستيطان ، وإنما ارتفاع تدريجي في كلفة استمراره .
أما انضمام فرنسا إلى هذا المسار ، فيعكس عودة ملف الاستيطان إلى قلب النقاش الأوروبي حول إسرائيل .
وفي المقابل، لا يزال الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن بلورة سياسة موحدة بسبب انقسام دوله بشأن تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل أو فرض إجراءات اقتصادية أوسع .
غير أن هذا الانقسام قد يتحول على نحوٍ متناقض إلى قوة دفع .
فكلما تعذر القرار الأوروبي الجماعي، زادت احتمالات لجوء الدول الأكثر استعدادا للتحرك إلى إجراءات وطنية منفردة .
وقد شهدنا بالفعل مواقف متباينة من إسبانيا وإيرلندا وبلجيكا وهولندا وغيرها في ملفات تتصل بإسرائيل والاستيطان والقضية الفلسطينية .
فهل نحن أمام بداية فك الارتباط الغربي بالاحتلال الإسرائيلي ؟ .
ربما يكون من السابق لأوانه إعلان ذلك . فإسرائيل لا تزال تحتفظ بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة مع الولايات المتحدة وأوروبا ، ولم تتحول الإجراءات الحالية إلى قطيعة أو عقوبات شاملة .
لكن المؤكد أن قاعدة قديمة بدأت تتآكل : الفصل بين إسرائيل كدولة وبين الاحتلال والاستيطان كأنهما مساران منفصلان يمكن للعالم أن يدين أحدهما ويتعامل اقتصاديا مع الآخر بصورة طبيعية .
اليوم، بدأت بعض العواصم تقول شيئا مختلفا : إذا كان الاستيطان غير قانوني ، فلا يمكن أن تكون الأرباح الناتجة عنه محايدة ، ولا يمكن أن تظل الشركات التي توسّعه بمنأى عن المسؤولية ، ولا أن يستمر تمويله وكأنه نشاط اقتصادي عادي .
وهنا تكمن دلالة التحول .
فالمعركة المقبلة قد لا تكون على الاعتراف بفلسطين فقط ، ولا على البيانات والإدانات ، وإنما على سؤال أكثر واقعية : من سيدفع كلفة الاحتلال ؟.
وإذا انتقلت الضغوط من المنتجات إلى التمويل والاستثمار والشركات والبنية التحتية، فإن ما بدأ اليوم كإجراءات محدودة قد يتحول غداً إلى نقطة انعطاف حقيقية ، تنقل الموقف الغربي من إدانة الاستيطان إلى تضييق البيئة الاقتصادية التي تسمح له بالاستمرار .
إنها ليست ، بعد ، نهاية التطبيع مع إسرائيل . لكنها قد تكون بداية نهاية الفكرة التي ظلت سائدة طويلاً: أن بالإمكان تطبيع العلاقات مع دولة تحتل أرضاً وتوسع مستوطناتها، من دون أن يدفع الاحتلال أي ثمن .
فحين يصبح الاستيطان مكلفا ، يبدأ الاحتلال نفسه في فقدان واحدة من أهم أدوات استمراره : الاعتياد الدولي .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *