38°C تونس
11/09/2026
تونس ومقصلة قتل الرموز !.
أراء وأفكار

تونس ومقصلة قتل الرموز !.

سبتمبر 11, 2026

بقلم – ابوبكر الصغير .

كنت أحسد من له حذاء إلى أن رأيت رجلاً بلا قدمين .
هناك موت آخر غير ذلك الذي نعرفه في الطب والشرع… موتٌ غريب ، موت بلا جثة ، ولا قبر ، ولا مراسم دفن .
موتٌ يحدث كل يوم بيننا ، على شاشات اجهزة التواصل ، وتشارك فيه أصابع لا تحمل سلاحا ، لكنها قد تكون أشد فتكا من رصاصة .
إنه ” القتل المعنوي الافتراضي ” … حين تتحول الإشاعة إلى خنجر ، والكذبة إلى رصاصة ، و منشور مجهول المصدر إلى حكم بالإعدام على سمعة إنسان أو مساره أو تاريخه .
في تونس، يبدو أننا اصبحنا نعيش منذ سنوات ظاهرة مقلقة فعلا : كلما نجح او برز شخص ، أو تالق مسؤول، أو لمع اسم كفاءة ، أو حقق رجل أعمال إنجازا و كسبا ، أو امتلك سياسي حضورا ، تحركت في المقابل ماكينة التشكيك والتشويه .
وكأن النجاح أصبح في نظر البعض استفزازا شخصيا لهم ، وكأن بروز الآخر إهانة للذين لم يستطيعوا أن يصنعوا لأنفسهم مكانا تحت الضوء .
نحن لا نحارب الفشل ، بل نحارب النجاح .
نحن لا نناقش الفكرة، بل نقتل صاحبها.
نحن لا ننتقد القرار ، بل نفتش في حياة صاحبه عن تهمة .
وحين نعجز عن إسقاط الإنسان بالحجة ، نحاول إسقاطه بالشائعة .
هذه ليست حرية تعبير ، وليست نقدا سياسيا ، وليست حتى معارضة .
إنها ثقافة خطيرة تقوم على تحويل الاختلاف إلى كراهية ، والكراهية إلى تشهير ، والتشهير إلى قتل معنوي .
لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي، في بعض الحالات ، أشبه بمحاكم بلا قضاة ، وأحكامها تصدر قبل سماع المتهم ، ودون أدلة ، ودون حق في الدفاع .
يكفي أن يكتب أحدهم جملة، أو ينشر صورة مجتزأة، أو يطلق ادعاءً بلا مصدر، حتى تبدأ كرة الثلج في التدحرج ، فتتكفل آلاف الحسابات بتضخيمها ، ويتحول الكذب بعد ساعات إلى ” حقيقة مسلّمة ” في وعي الجمهور .
والأخطر أن بعض الناس باتوا يجدون في سقوط الناجح نوعا من الراحة النفسية .
لماذا؟ لأن نجاح الآخر يذكرهم بفشلهم ، وتميزه يضعف حجتهم ، وحضوره يكشف غيابهم .
فيصبح قتل الرموز تعويضا نفسيا عن العجز و الفشل في صناعة رمز جديد.
وهنا تكمن المأساة العظمى .
فالمجتمعات لا تتقدم عندما تقتل الكفاءات و الناجحين ، بل عندما تصنع منهم قدوة وتفتح الطريق أمام غيرهم .
ولا تبني المجتمعات مستقبلها بتدمير من يتألق من أفرادها ، وإنما بتوفير البيئة التي تجعل الكفاءة قيمة ، والاجتهاد فضيلة ، والنجاح أمرا يستحق الاحتفاء لا العقاب .
قد نختلف مع مسؤول ، ونرفض قراره ، وننتقد سياسته ، ونطالب برحيله .
هذا حق أصيل في أي مجتمع حي . لكن الاختلاف لا يمنحنا حق اختراع الأكاذيب عنه، والمعارضة لا تمنحنا رخصة لتدمير سمعته، والنقد لا يتحول إلى فضيلة عندما يقوم على الافتراء.
هناك فرق هائل بين أن تقول ” هذا المسؤول أخطأ ” وأن تقول ” هذا المسؤول فاسد ” من دون دليل.
وهناك فرق بين مساءلة رجل أعمال عن أعماله وبين تحويل ثروته إلى تهمة لمجرد أنه نجح و أنعم عليه ربّه رزقا وفيرا .
وهناك فرق بين نقد كفاءة وبين محاولة إقناع الناس بأنها لا تستحق مكانها لأنها أصبحت ناجحة أكثر مما ينبغي .
لقد اختلطت علينا المعايير حتى أصبح بعضنا يريد من الناجح أن يعتذر عن نجاحه ، ومن صاحب الكفاءة أن يبرر كفاءته ، ومن صاحب الرأي أن يخشى التعبير عنه.
والمحصلة مجتمع يخاف فيه الإنسان من النجاح أكثر مما يخاف من الفشل .
وهذه كارثة كبرى .
فحين يصبح البروز نقمة و خطرا ، يتعلم الناس الاختباء و يفضلون الانسحاب .
وحين يصبح التميز سببا للهجوم، تختار الكفاءات الصمت .
وحين يصبح صاحب المشروع هدفا دائما للتشويه ، يفضل المستثمر الانسحاب .
وحين يصبح المسؤول الناجح عرضة للاغتيال المعنوي بمجرد أن يختلف مع بعض الأصوات او لا يستجيب لرغباتهم ، فإن الإدارة والسياسة تتحولان إلى ساحات للخوف، لا إلى فضاءات للإنجاز .
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لتونس ليس أن تختلف نخبتها ، وإنما أن تفقد قدرتها على الاختلاف دون أن تقتل بعضها بعضاً معنويا .
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة تقول بوضوح : يمكنك أن تعارضني، لكن لا تكذب عليّ .
يمكنك أن تنتقدني ، لكن لا تشهّر بي.
يمكنك أن تطالب برحيلي ، لكن لا تختلق لي جريمة .
ويمكنك أن تكون أفضل مني، لكن الطريق إلى ذلك ليس تدميري، بل إثبات أنك تستطيع أن تقدم ما هو أفضل.
السياسة ليست مقصلة.
والديمقراطية ليست حفلة شماتة.
والحرية ليست حقا في اغتيال الناس معنويا .
أما منصات التواصل، فقد آن لها أن تكون مساحة للنقاش لا مقبرة للحقيقة .
إن معركة تونس الحقيقية ليست فقط ضد الفساد أو الفقر أو البطالة أو سوء الإدارة ، إنها أيضاً معركة ضد ثقافة تحطيم الناجح، وشيطنة الكفاءة، وقتل الرموز .
تونس لا تحتاج إلى مزيد من المقابر الرقمية و إلى مقصلة .
تونس تحتاج إلى أن يتعلم أبناؤها كيف يصنعون النجاح ، لا كيف يقتلون أصحابه .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *