بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
في لحظة إقليمية صعبة و مشتعلة ، لم يعد ممكنا اليوم الاحتماء بالشعارات ، ولا الاتكاء على خرائط قديمة لتحديد من هو العدو و من هو الحليف .
فالميدان، بكل ما يحمله من وقائع صلبة وضربات لا تحتمل التأويل ، أصبح المرجع الوحيد لإعادة تعريف الاصطفافات ، وكشف من يرسّخ الاستقرار … ومن يعبث به حقا .
لقد تشكّل الوعي العربي ، طويلا ، على ثوابت شبه راسخة ، في مقدمتها اعتبار إسرائيل خصما و عدوا تاريخيا ، وهي حقيقة لم تكن موضع نزاع واسع او خلاف باين .
غير أن التحولات المتسارعة التي تعرفها المنطقة اليوم تطرح سؤلا أخطر و أكثر تعقيدا : ماذا حين تتحول دولة ، رفعت يوما شعارات الدعم و المساندة ، إلى فاعل ميداني يُنتج القلق ويصدّر التوتر إلى محيطه ؟.
هنا، لا نتحدث عن خلافات سياسية عابرة ، بل عن مسار ممتد من التغلغل في ساحات عربية متعددة ، حيث تداخل النفوذ مع التدخل ، وامتزج الدعم بالهيمنة ، إلى أن انكشف المشهد على صدامات مباشرة ، لم يعد ممكنا تغليفها بالخطاب أو تبريرها بالسياق .
وحين تنتقل أدوات التأثير من الظل إلى العلن ، وتطال بشكل مباشر أمن دول الخليج ، فإننا أمام لحظة كاشفة تتجاوز كل قواعد الاشتباك التقليدي .
الأخطر من ذلك ، ليس الفعل في حد ذاته ، بل الهوة المتسعة بين القول والممارسة . فحين ترفع رايات مواجهة “ العدو ”، بينما تُوجَّه البوصلة نحو جيران و شركاء مفترضين ، فإن المعضلة لم تعد سياسية فقط ، بل أخلاقية أيضا .
إذ تفقد الشعارات معناها ، وتتحول إلى غطاء هش لا يصمد أمام اختبار الواقع .
فالدول ، في نهاية المطاف ، لا تُقاس بخطاباتها ، بل بأثر أفعالها .
لقد دخلت المنطقة طورا جديدا ، لم يعد فيه “ العدو ” تعريفا ثابتا تُحدده الذاكرة ، بل مفهوما متحركا ترسمه السلوكات اليومية . فكل من يُدخل محيطه في دوامات عدم استقرار ، ويُحوّل الجغرافيا المشتركة إلى ساحة رسائل نارية ، يضع نفسه تلقائيا في خانة التهديد ، مهما كانت شعاراته ، ومهما حاول الاحتماء برمزية الماضي .
إن ما يجري اليوم يختزل درسا قاسيا لكنه واضح : لا تُبنى الثقة بين الدول على النوايا المعلنة فقط ، بل على الوقائع الملموسة . ومن يختار أن يتحدث بلغة النار ، لا يمكن أن ينتظر أن يفهم بلغة الشراكة .
في النهاية ، لم يعد السؤال : من يعلن العداء ؟ . بل: من يمارسه فعلا ؟ .
وبين الشعار و الفعل ، تُحسم الحقيقة… وتُرسم خرائط الثقة ، أو القطيعة.



