تونس 33°C

30 ماي 2026

تونس 38°C

30 ماي 2026

حين يصنع الشارع وعيا !.

بقلم أبوبكر الصغير.

في تونس، لم يعد الوعي يُصنع فقط داخل قاعات النخب ، ولا عبر المنابر التقليدية التي اعتادت احتكار الكلمة .
هناك، في الزوايا المنسية من المدن، وفي الأحياء خاصة الشعبية التي لا تصلها الكاميرات إلا نادرا ، بدأ صوت آخر يتشكل … صوت الشارع ، صوت المواطن وهو يكتب نفسه بنفسه .
ظاهرة جديدة تتسلل بهدوء لكنها تحمل ضجيجا داخليا هائلا و قويا : صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي تحمل أسماء بسيطة ، ساخرة أحيانا ، وعفوية حدّ الصدمة ، مثل “ الزهروني”، و “علاش هكّة”، و “المدام” و ” الخال ” و ” الرصيف ” الخ ، لكنها في العمق ليست مجرد صفحات ، بل منصات اعتراف جماعي ، ومساحات بوح مفتوحة لشباب ضاقت به قنوات التعبير ، فأعاد اختراعها من العدم .
هذا الجيل، الذي وُضعت أمامه الأبواب ثم أُغلقت ، لم يختر الصمت .
لم ينتظر الإذن ليتكلم . بل التقط هاتفه ، ونزل إلى الشارع، وصوّر ، و كتب ، و علّق ، وصرخ ، و احتج ، لا بلغة النخب ، بل بلغته هو : مباشرة، حادة، وأحيانا قاسية، لكنها صادقة.
ما يُنشر عبر هذه الصفحات ليس مجرد محتوى عابر ، بل هو أرشيف يومي لقلق جماعي : مشاهد من تنامي الجريمة ، اختلال النظام العام ، تصدّع الثقة ، وتآكل الإحساس بالأمان في بعض الاحيان .
هي ليست مبالغة إعلامية ، بل انعكاس لواقع يعيشه الناس ، ويشعرون بأنه يُقال أخيرا ، ولو بوسائل بدائية .
لكن الأخطر ، وربما الأعمق ، أن هذه الظاهرة لا تعبّر فقط عن غضب … بل عن وعي يتشكل .
وعي مؤسّس جديد ، غير مؤطر ، غير مُدجّن ، يرفض التجميل ، ويصرّ على كشف ما يعتبره خللا بنيويا في مجتمعنا .
وعي لا ينتظر تقارير رسمية او لجان تحقيق ، بل يبني روايته الخاصة ، بالصورة والصوت والانفعال .
ومع ذلك، يبقى السؤال معلقا : هل نحن أمام وعي حقيقي ، أم أمام انفجار عاطفي بلا بوصلة ؟.
الجواب، ربما، يكمن في المقارنة التي تفرض نفسها .
جيل الأمس، الذي بنى الدولة الوطنية ، لم يكن يملك هذه الوسائل ، لكنه امتلك شيئا آخر : الإيمان، الصدق، والإرادة الصلبة ، و الوطنية .
كان مشروعه واضحا ، وأفقه محددا ، ورهانه كبيرا على مستقبل افضل لهذه البلاد .
أما جيل اليوم، فهو يملك الأدوات و الوسائل ، لكنه يبحث عن المعنى .
يملك الصورة و الصوت، لكنه يفتقد أحيانا الاتجاه .
ومع ذلك، لا يمكن التقليل مما يحدث : فحتى الصرخة، حين تتكرر ، تتحول إلى ظاهرة .
والظاهرة، حين تتراكم، تصبح قوة .
ربما لا يبني هذا الحراك دولة او يقيم مؤسسات ، لكنه يعيد طرح السؤال الأساسي : ماذا يحدث لنا ؟ ولماذا نشعر أن شيئا ما ينفلت من بين أيدينا ؟.
إن ما نراه اليوم ليس مجرد محتوى رقمي ، بل هو محاولة جماعية لإعادة امتلاك الواقع ، و تقويمه لتسمية الأشياء بأسمائها، بعد سنوات من التردد أو الخوف أو اللامبالاة .
الشارع التونسي لم يعد مجرد متلق ، بل أصبح منتجا جديدا للوعي .
والسؤال الحقيقي لم يعد : هل نرى الصورة و نسمع هذا الصوت؟ .
بل اساسا : هل نملك الشجاعة لفهمه ، و استخلاص الدروس منه ، قبل أن يتحول إلى صمت أخطر ؟.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية